غير مصنف

ليلة القدر واحمد قذاف الدم نضال وكفاح الاباء والاجداد

احمد قذاف الدم يروى زكرياتة مع ليلة القدر وتاريخ الاباء والاجداد ودعوة للسلام والقاء السلاح

ليلة القدر

زكريات احمد قذاف الدم مع الاباء والاجداد فى ليلة القدر

متابعة :- ابراهيم سالم المغربى

بقلم البطل /أحمد قذاف الدم

في ليلة كهذه عام1984 وفي فجر 27 رمضان .. ودعت والدي الوداع الأخير .. وشاء القدر أن أكون الوحيد من الأسرة الذي يكون حاضراً في مستشفي طرابلس المركزي في تلك اللحظة .. علي الرغم من أنني كنت أعمل في العلاقات الدولية وعلي سفر مستمر .

وخرجت بعد أن هرع الأطباء المناوبين لتعزيتي وكان لا يزال صوت الأذان في جامع مولاي محمد .. وصوت والدي وإبتسامته يترددان في أذني وإنتابني شعور ممزوج بالرضا والحزن .. فوفاته في ليلة كهذه تنبأ بها وتمناها إشارة سماوية .

وأكيد فقد الوالد يعني مرحلة جديدة في حياة الأنسان وأتذكره الليلة وأذكر بحياة رجل أستشهد والده وهو طفل ودخلت والدته معتقل العقيلة .. ورحل هو وأخيه الصغير مع نجوع أهلنا في سرت تلاحقهم طائرات إيطاليا الفاشيه في صحراء ليبيا الممتدة وأنقسم النجع جنوباً ببر السودان “تشاد الحالية” والأخر تجاه مصر وفيه هذا الفتي يجرجر بندقية جدي بأقدام دامية .. وقلب كبير يئن من الجراح .

وواصلت القافلة سيرها عبر الصحراء الممتدة بكل ما فيها من ذئاب وأفاع وعقارب وقيض وبرد رحله ثلاث أشهر حتي واحة سيوة والواحات التي خطها أجدادنا الفاتحين تجاه المغرب وحتي أسبانيا .

وهنا أتذكر والدي وهو يحدثنا عن تاريخ أهلنا وجدنا موسي الكاظم في العراق .. وعن إنكسارنا في الأندلس ومطاردتنا حتي الساقيه الحمراء ووادي الذهب .. وأجزم هذه الساعة .. بأن الشهيد معمر القذافي كان متاثراً بتلك الكلمات حيث سارع فور قيام الثورة بإستدعاء الولي الرقيبي الذي كان يتزعم حركة تحرير الصحراء من أسبانيا .. وشق له طريقاً من ليبيا لتقديم الدعم ولا زال يعرف بطريق القذافي إلي أن تحررت الصحراء .. لما تحمله من رمزية في تاريخنا الناصع .. عندما كان الأسلام اسلاماً .

أعود ثانيةً إلي الواحات في غرب مصر والتي حوت رفات أجدادنا الذين لم تتحمل كهولتهم مشقة السفر ولا زالت شواهدهم منارات للصحراء .. وعندما وصلت القافلة إلي قارون إستقبلتهم طلائع القبائل الليبية التي هجرها الإستعمار التركي وما تبعهم عام 1911من الطليان الفاشي .. لأنهم لم ينصاعوا ولم يقبلوا إعطاء ” الميري ” أي ضرائب للمستعمرين مفعلين بذلك فتوي جدنا ” قذاف الدم ” الذي عاد من وادي الذهب وأستقر في جبال غريان وتزوج فيها ولا زال قبره علامه علي خريطة ليبيا منذ قرابة 700 عام وأمتد نسله الي سوق الخميس وطرابلس ثم الي وديان سرت .

لقد إستقبلت مصر المحروسة هجرات متتالية من القبائل والمدن الليبية .. ولعل الوقائع المصرية حددت أكثر من 13 مليون شخص يعيشون علي أرض مصر من أصول ليبية تمتد من قبائل أولاد علي واحتي الجعافرة في أسوان مروراً بالبحيرة وبرج العرب ووادي النطرون والفيوم والمنيا وبني سويف الخ .

وعندما يتحدث والدي بإنبهار عن مصر في العشرينيات والثلاثينيات حيث هذا الفتي البدوي لم يكن يعرف شيئاً عن المدن أو نهر للمياه لا ينضب .. ووصل به المطاف إلي مقام جدنا الحسين في قلب القاهرة حيث كان يلتقي المهاجرين من كل الوطن الممتد والمحتل من طنجه إلي البحرين .

وفي مقاهي الحسين ولدت فكرة العودة وتأسيس جيش التحرير .. ولقد كان أمراً صعباً بل مجنوناً أن يفكر الليبيين في طرد إيطاليا من الشاطيء الرابع .. وكان أمراً صعباً ترك القاهرة المزدهرة والعودة إلي الفقر من جديد حيث كانت ليبيا من أفقر دول العالم .. ولكنها عزائم الرجال والأقدار التي تسوقهم لصنع المستحيل .. وتردد الكثر بالإلتحاق بجيش التحرير ” الجيش السنوسي ” وقال لي والدي وهو يتحدث بإعتزاز .. لقد نصحني أحد الإخوة بالتواصل مع الشيخ حامد علي أحد مشايخ أولاد علي بالبحيرة .. وذهبت متردداً طالباً فزعه للوطن .. ولم يتردد الشيخ حامد علي بالإيعاز لكل من يريد التطوع بالإلتحاق وتزوج والدي من كبري بناته التي هي أمي رحمها الله .. ولن أنسي مشاعر والدي يوم أن وقفنا في ” العلمين ” حيث المعركة الشهيرة والتي جرح فيها .. ويحدثنا بأنها كانت فاتحة خير .. ويحدثنا كيف أنهم تواصلوا مع الأسري الليبيين الذين جندهم الطليان للقتال معهم .. وكيف أن الكثيرين منهم التحقوا بجيش التحرير .. ومعظمهم من الغرب الليبي .

وبعد الإستقلال أصبح والدي رحمه الله قائداً للقوة المتحركة في ولاية فزان .. التي كانت للأسف .. مركزاً للقواعد الجوية الفرنسية حيث كان نصيب أمريكا بعد “الإستقلال” الغرب الليبي وبريطانيا شرقها .. ولم تكن الجزائر قد تحررت وللأمانة فقد كان النظام الملكي يسمح بمرور الدعم المادي والعسكري عبر جنوب ليبيا إلي أحرار الجزائر وأوكلت هذه المهمة لوالدي .. ولعل هجوم الفرنسيين علي منطقة ” إيسين ” القريبة من غات كانت رصداً لهذا الدعم وشارك الجيش الليبي في هذه المعركة التي أختطلت فيها الدماء الليبية الجزائرية .. وأرتبط منذ ذلك الوقت والدي بعلاقات قوية بقبائل الطوارق ومشائخهم .. وكنا نزورهم في أوباري وغاث والعوينات بإستمرار.. ولم ينقطعوا عن زيارتنا .. وقد جند والدي في القوة المتحركة الكثير من هؤلاء المغاوير ولقد كان المعاون له أحد الضباط المنتمين للطوارق .. ولقد تعرفت علي قبائل التبو عند زيارتي لأول مرة ” للقطرون مع والدي” عندما جاء ” سطان وداي ” والذي أصبح أبنه رئيساً لتشاد بدعم من ثورة الفاتح فيما بعد .. وقد إستضفناه في منزلنا في سبها ومن بعدها أنتقل إلي مدينة الزاوية الغربية .. ولقد كان لقبائل التبو أيضاً نصيباً كبيراً في القوة المتحركة .. وقد عرف عنهم الصبر والجلد .. وبالمناسبة شاركت القوة المتحركة في فجر الفاتح .. وانتقلت في اليوم التالي إلي بنغازي لتعزز الموقف الدفاعي عن الثورة .

وفي فزان أستقبل والدي المهجرين العائدين من تشاد والنيجر في مطلع الستينيات.. وكنا نرافقه مصطحبين الشاحنات الكبيرة محملة بالمواد الغذائية والطبية.. حيث كانوا يقطعون جل الصحراء علي الإبل والأقدام وكانت لحظات لا تنسي حيث أن هؤلاء الرجال هم الصبيه الذين تقطعت بهم السبل وجمعهم الوطن ثانيتاً بعد السنوات العجاف في المهجر .. تلك آيات أتذكرها اليوم وأنا أري مئات الالآف من أبناء ا لوطن في هذا الشهر الكريم يجوبون الدول .. وأعرف مشاعرهم وأحساسيهم يتوقون ليوم خلاص الوطن ..

لقد كان والدي مدرسة وحياته ومماته حكاية رأيت أن أرويها في ذكراه .. لكم ولأحفاده الذين تجاوز عددهم الــ130 وينتشرون الأن بين المنافي والمفارز التي تتوزع هذه الساعات كغيرهم من أبناء وطني من بنغازي وسرت والوطية ومدن الجنوب وتخوم طرابلس .

لعل صراعه الطويل ومواقفه المشرفه تكون عظة وعبرة لنا وإخوتنا الذين يتقاتلون في هذا الشهر الكريم .

حما الله أمتنا

أحمد قذاف الدم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق