اخبار عربيةشعر و أدبغير مصنف

بحث الأديبة الناقدة السورية العالمية د. نجاح إبراهيم المقدم في مؤتمر الأدب الوجيز – بيروت 2019م

بحث الأديبة الناقدة السورية العالمية د. نجاح إبراهيم المقدم في مؤتمر الأدب الوجيز - بيروت 2019م

د. حاتم العنانى (المستشار الإعلامى للوكالة)”مصر”

تم دعودة الأديبة السورية العالمية د. نجاح إبراهيم للمشاركة فى مؤتمر الأديب الوجيز بمدينة بيروت – عاصمة لبنان .

كان المؤتمر تحت عنوان (الأدب الوجيز هوية تجاوزة جديدة) .

انطلقت فعاليات المؤتمر يومى 21 و 22 حزيران 2019 م .

تمت مراسم استقال مبدعة الأدب العربى د. نجاح إبراهيم ببيروت يوم 19 حزيران 2019 م

قدمت د. نجاح إبراهيم بحثاً أثناء انعقاد فعاليات المؤتمر تضمن التالى : –

الأدبُ الوجيزُ

                 {حاجةٌ فكريةٌ معاصِرةٌ}

كما النّهر لا يتوقفُ عن الجريان ، كذا الأدب تكمن بذرة الحركة في داخله ليشاطر الحياة استمراريتها ، وهذا ما يدعى بالتغيير ، الذي نكونُ في أمسِّ الحاجةِ إليه ليواكبَ عصرنا.
لابدّ من التغيير في الأدبِ وتبدلِ قسماته وركائزه، من لغةٍ وتراكيبَ ودلالاتٍ ليكونَ الوجهَ المعبرَّ عن الإنسان ، وعن الأمة . وأدبنا العربي لم يك قط جامداً ، وإنّما واكبَ الحضارة منذ شروقها ، واشرأبَّ نوراً في الماضي، ثم تدرّج في الأفق لابساً لبوسَ التغييرِ ليوائمَ حاجاتِ مجتمعنا الثقافية وعصرنا المشبعِ بالقلقِ والتسارع ، مما ارتأى المبدعُ الذي يعيشهما لأن يكون محترقاً بالجمر وقابضاً عليه في آن.
الحركةُ الثقافية بشكلٍ عام في الوطن العربي، بشقيها النقدي والإبداعي قد تأثرتْ على امتدادها بحالاتِ المدِّ والجزرِ ، التوهجِ والخفوتِ ، الجمودِ والتألقِ لإعتبارات اجتماعيةٍ وسياسيةٍ وثقافيةٍ ، وبخلفياتٍ متشابكة ، تستهدفُ تقويضَ حريةِ الأديبِ والأدبِ، وصرحِ التمثلات الفكريةِ المستنيرةِ والخلاقةِ للأدبِ والإبداع ، فلأنَّ الفاعلَ السياسيَّ والثقافيَّ الملتزمين بقضايا المجتمع والانسان ، قضايا الحرية والإنصاف والأمن الثقافي وتخليق الإبداع ، قد وجدا وجهاً لوجه أمام حالاتٍ من التردي الثقافي والغموض الفني المؤدلج ، ولأنَّ الفاعلَ الأدبي الملتزم قد وجد نفسه بين مطرقة الانحسار وسندان الصدِّ والتواري، في ظلِّ تنامي ظواهر مختلفة ترومُ الفتكَ بمقتضياتِ الأدب الخلاق ، وامتداداته المعرفية والإبداعية ، والنقدية والفنية ، ظواهر تعكسُ الوجه الآخر لتسلط حركاتٍ سياسية وثقافيةٍ متطرفةٍ نهجتْ أسلوبَ تجريبِ الإجهاز على منابعِ الصرحِ الحضاري للأدب العربي، وما رافق ذلك من انكفاءٍ ثقافيٍّ في لحظاتٍ مهمة من تاريخ الحركات الأدبية العربية وسط النخبة المثقفة في ظلِّ شروط الصراعات، مما جعلَ الأدب في حالةِ نكوصٍ، وذلك بتكريسِ أشكالِ التطبيعِ مع أطروحاتٍ ماضوية جامدة ، لا تنفعُ الأدب الخلاق في شيء ،لكن رغم تبعات هذا الوضع الرمادي من كبوات ومطبات والتي شكلت حالة قلقٍ قصوى للمثقفِ العضوي فإنَّ الحركات الأدبية والفكرية بأدبائها وكتابها ومفكريها الأصلاء ، لم يتوانوا في ضخِّ دمِ الاجتهاد والبحثِ والتحري العلمي والموضوعي في شريان الأدب. رغم الصعوبات المادية والمنهجية وهم في قلب العاصفة ، فعلى الرّغم من ذلك آثروا نهجَ ابتداعِ الأشكال المعبرةِ عن تطور الأدب وروافده ، نهجاً يرومُ المعاييرَ العلمية والمعرفية لتعويضِ ما فقدَ في منظومةِ النقدِ، والرؤية النقدية العربية ، ليستوي الأدبُ الوجيزُ على شروطِ تحققِ وجيزه بمعايير جديدة، وليستقيم على نوايا المستقبل المنضبط لهندسةِ المنهاجِ الأدبي العلمي الموضوعي بما تقتضيه تطوراتُ العصر التقنية.
فكان أدبُ اليوم ، الوجه الآخر للمرحلةِ الحاضرةِ التي نعيشها وما تتميزُ من سرعةٍ واختزالٍ ورفضٍ للقيود والتحرر ، فالشعر لم يتحرر من أسر الوزن والقيود إلاّ في زمن الحريات ، عصر النهضة الذي تسارعت فيه وتيرة التغيير والتطور الاجتماعي وصولاً إلى وقتنا الراهن.
زمنٌ يجري كنهرٍ ،لا يمكنُ لأحدٍ الوقوفَ في وجههِ، أو الحؤولَ دونه، مما كان حري أن يتخلقَ الأدبُ الوجيزُ المتمثلُ بالقصيدةِ القصيرةِ جداً، والقصيدةِ الومضة ، وإن كنا قد لمسنا تواجدهما من خلال التوقيعات والحكايات القصيرة المتسلسلة ، أي أنَّ الأدبَ الوجيزَ جاء خلاصةً لتراكماتٍ عديدةٍ في نصوصنا العربية وليس تأثراً بالأدب الغربي، أو نقلاً عنه.
فالأدبُ الوجيزُ يتجاوزُ الاشكالَ والقوالب الجاهزة ليمضي حثيثاً صوب ديناميكية فعالة رامحة نحو التطور والحركةِ الدائمةِ ليواكبَ معاييرَ العصر ، تلبي الأذواق التي تحكمها أطرٌ اجتماعية وثقافية وسياسية فرضها الواقع بقوّة.
الومضة والقصة القصيرة جداً جناحا الأدب الوجيز ، كلاهما يذهبان إلى التكثيفِ في المعنى ، والترميزِ ، وتشكّلِ الدهشة لدى المتلقي المستعدِّ ليقبضَ على الفكرة التي تأتي انعكاساً لواقعِ يسيرُ بسرعةٍ، ولا يحتمل أن يعودَ إلى زمنِ القصيدةِ الطويلةِ، أو القصةِ الطويلة ، والجلساتِ الغائصة بالإصغاءِ العميق ، والتي تأخذُ وقتاً متأهباً لأنْ يُشيعَ مللاً في المتلقي وتشتتاً، بدل أن ينفتح فكرٌه على الإبداعِ الوجيزِ والخلقِ والمتعةِ من خلال ومضاتٍ تختزلُ الكثيرَ في المعنى دونَ استرسالٍ ، وجيزٍ في استحضارِ الذاكرةِ والخيالِ وامتطاءِ صهوة لغةٍ تنتجُ لغةً غيرَ عادية، ولا متمددة كأرضٍ أفقية ، لغة تتخطى المألوف والسائد.
وكلُّ هذا يجيء كدفقِ ماءٍ دائمِ الإنتاج والتحرّك ، دائم التخليق ، ينسكبُ في الظهورِ والغياب في الأزمنة والأمكنةِ ،لما يمتلكُ من طاقاتٍ دفينةٍ داخلَ بنيةٍ شديدةِ التكثيفِ والاختزالِ.
كما وأنَّ فاعليته تبقى متولدة من ذاته النصي ، فهو ضربٌ من ضروبِ الانجازِ اللغويِّ الشعري ، له نظامٌ خاص ، ولغةٌ تصلُ بين جهتي العملية الإبداعية / أي المبدع والقارئ/ لهذا جاء عملاً مفرَداً بخصوصيته ، يمارسُ فعلاً استلابياً، إذ يقلبُ أفكارنا ومدركاتنا وتعابيرنا التي اعتدنا عليها ، ويغيرالذائقة السائدة.
فالأدبُ الوجيز يتجاوزُ كلَّ هذه الأشكال والقوالب الجاهزة والذائقة الراكدة، ليمضي نحو التطور.
فقصيدةُ الومضة تمتازُ بسماتٍ أهمها القصر والدفقة الشعورية الواحدة ، والفكرة الواحدة ينبني عليها النصُّ ، وتكونُ مفرداتها قليلة ، تتسمُ بالتكثيف والاختزال ، تنسكبُ بطريقةٍ داهشة ، سريعة الومض، لتكونَ أكثر ريحاً في خفقِ الراية ، وأكثرَ اشراقاً وحماسةً وتشويقاً في زمنٍ عزفَ الناس عن القراءة ، وفي وقتٍ ارتأى أن يكونَ الشعرُ فيه أكثر جنوحاً نحو العمق الإنساني مما حدا بالقصائد إلى التكثيف ، فبدأ حجمها ينكمشُ تدريجياً ليصبحَ ملائماً للزّمن الذي نحيا فيه ، ولهذا كان الأدب الوجيز خلاصة تراكمات عديدة في النصوص العربية مما جعل النقدُ يرحبُ به كأنموذج أدبي ، بما يستندُ على ملفوظاتٍ قليلةٍ تحوي دلالاتٍ كثيرة، ورموز دائمة التخلق من ذاتها؛ لهذا قلتُ إنَّ بذرةَ حركتهِ تكونُ في داخله ، فهو ذو حركةٍ دؤوبةٍ كما الومضة التي تبقى في حالة غنىً وتوترٍ وتوالدٍ وتفتحٍ ، مع كلِّ قراءة ، في كلّ دالٍ ومدلول ، الومضة التي تأتلقُ كلمعة ، تمتازُ بسمتين أساسيتين : السرعة والاقتضاب في المدة الزمنية ، المكتظة بتركيبٍ لغوي لتفي المعنى ، وتشع ضوءً كأنما هي ضوءٌ يتوهجُ بشدةٍ وسرعة ليختفي تاركاً للناظر اندهاشاً يشبه الصعقة.
ولعلنا نقصد بالضوء تلك الالتماعة الفكرية التي تتخلقُ الصورة الشعرية في الذهن ضوءً يمتدُّ محاولاً ادراك تركيبها ليصلّ إلى العاطفة التي تتقدُ وتنفعلُ أمام قصيدة قد لا تتجاوز الأسطرَ القليلة ، أو الكلمات المعدودة.
وبقدر ما يمتلكُ الشاعرُ من ملكةٍ لغويةٍ وثقافةٍ وعاطفةٍ مشبوبة ، وبصيرةٍ حاذقة ، راغبة في التغلغل في النفس البشرية يفلحُ في ابتكارِ قصائده الموجزة ، القادرة على اختراقِ مكنوناتِ اللغةِ، وابرازها إلى الفضاء حيث تتبين للقارئ رؤى مغايرة للمعتاد.
لهذا نحتاجُ أدباً وجيزاً ، نشعرُ به دائمَ الانتاج والتوالد والتخلق ليتموضع دائماً في شؤونٍ عديدةٍ مستمرّة في صيرورتها، أدباً متحركاً قابلاً لأكثرَ من زمانٍ ومكانٍ لما يمتلكُ من طاقات خبيئة ضمنَ بنيةٍ شديدةِ التكثيف، أدباً منبعثاً من ذاته النصيِّ يتمتعُ بنظامٍ خاص ، ولغة تكون جسراً لمعادلةٍ إبداعية بين المبدع والقارئ ، أدباً محافظاً على تماسكِ النصِّ ، وبقاءِ وهجِ الفكرة ، أدباً يفي بحاجةٍ فكريةٍ معاصرة.
   
والله ولى التوفيق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق