اخبار عربيةشعر و أدب

(بن عالمى) .. قصة قصيرة للأديبة التونسية خيرة الساكت

(بن عالمى) .. قصة قصيرة للأديبة التونسية خيرة الساكت

د. حاتم العنانى (المستشار الإعلامى للوكالة)”مصر”

الأديبة : خيرة الساكت

الجنسية : تونسية

الإقامة : بنزرت

النشاط : (أديبة)

1- قاصة

2- روائية

الإصدارات الأدبية :

1- مجموعة قصصية بعنوان (حبر لا ينضب)

2- رواية سيدى الأشعث

3- قصص أخرى

(بن عالمى)

بفلم / خيرة الساكت

 
تأتأ السيد المدير ولم يستطع أن ينطق كلمات الترحيب جيداً.
أمام جمال السكرتيرة الجديدة يقف جميع الموظفين مشدوهين..
المدير رجل بدين أصلع الرأس ما عدى بضع شعيرات في المؤخرة تنبت في الرقبة أكثر منها في الرأس متجهة نحو الأسفل مع قطيع من الثآليل السوداء يبدو كجواميس برية تهرب من التصحر.
تتكاتف بطنه المكورة مع ولعه بالأكل و النساء فتجعله يشخر كخنزير بري..
يفتح باب مكتبه . يجلس إلى الكرسي . لايطيل التدقيق في الملفات . يطلب قهوة من بن سكرتيرته الجميلة ..
يترشف بن السكرتيرة على مهله .ينهي القهوة.
تقفل السكرتيرة أزرار قميصها اللامعة و تخرج مع عقود الصفقات الموقعة..
السكرتيرة السابقة لم تكن على درجة كبيرة من الجمال . استعاذ عنها باحدى الموظفات المتربصات التي كانت تبالغ في التزين و تبذر البن.. سخية في القهوة.. و تجود بكل وقتها حتى تعدل مزاج المدير..
قهوة ثم قهوة وراء قهوة أخرى و هكذا تحصل بنها على ماركة عالمية و تم ترسيمها في الوظيفة وظيفة تعديل المزاج..
 
أمام زملائه من مديري المؤسسات الأخرى يفتخر المدير بمغامراته و يستعرض فحولته معددا النساء التي أقام علاقة معهن …
يضحك الزملاء سارين الأمر في أنفسهم ..
 
بدأ حياته كموظف بسيط وارتقى فجأة من رتبة إلى درجة أعلى بعد زواجه من بنت رئيسه في العمل التي تعلقت به ..
كان يكتب لها أشعارا مادحا جمالها الذي لم يوجد منه سوى وجه نحيل مصفر و شعر قصير مجعد و عينان غائرتان..
يقضي الليل في قراءة الصحف باحثا عن الأشعار المنشورة في ركن الثقافة..
بيت من هذه القصيدة و بيت من القصيدة الأخرى يتكون لديه شعر غرائبي هجين يبدو غزلا جميلا لدى فتاة عديمة التجارب…
 
مع أول سكرتيرة يحظى بها تأمل جسم زوجته ، وجهها ، كل تفاصيلها.. بحث عن شيء من الجمال فيها ..عن شيء تتشابه فيه مع السكرتيرة .
توقف عن التأمل و ولت الزوجة أنظارها نحو أطفالها ..نحو مستقبلهم..
بقيت على ذلك الحال من الاهتمام بالأولاد.. تقدمت في العمر.. توفي والدها..
توقف المدير عن مبادلتها الأحاديث و الاجابة عن أسئلتها..
تستلقي إلى جانبه في الفراش لتريح جسدها
فيدير ظهره دون أن يستفسر عن حالتها ..
اشترى لها فراشا و مرتبة طبية.. وضعهم في الغرفة الأخرى..
” أخبرني الأطباء بأنه مفيد لمن يعاني من آلام الظهر.. “
استقبلت قراره برحابة صدر تاركة إياه وحيدا في الغرفة.. بطلا لأحلامه و عالمه الذي تسيطر عليه الجميلات..
 
تمايلت السكرتيرة الجديدة في مشيتها قاطعة الممر وعيون الموظفين شاخصة إليها..
ترتدي تنورة رمادية قصيرة تلتصق بجسدها مبرزة جميع تفاصيله و قميصاً أزرقاً سماوياً أطرافه مزينة ببعض الدانتيل المطرز .. نصف صدرها عار وتتدلى من رقبتها قلادة من المجوهرات الحرة احتوت أشكال عصافير محلقة كصاحبتها التي ترفع نظرها إلى أعلى و تضع كل الدنيا بكفها..
 
حضرت القهوة بنفسها. وضعتها على مكتب المدير مع باقة ورد أبيض في مزهرية بلورية طغى عطرها الصاخب على رائحة الورد..
 
المكتب مثل غرفة نوم متزوجين حديثا..
طلبت من المدير تغيير الأريكة القديمة بأخرى أكثر أريحية وكان لها ذلك..
وصل المدير تتقدمه بطنه وربطة عنقه.. الموظفون في مكاتبهم يتظاهرون بالعمل..
لا أحد تغيب أو تأخر…
 
دخل مكتبه مسروراً :
 
– كل الأمور على ما يرام ! هات ماعندك !
 
وضعت الملفات أمامه وانحنت متعمدة أن تداعب خصلات شعرها الأشقر وجهه ..
 
قال منتشياً برائحة شعرها الشذية :
 
– اممم ! لدي ثلاث نساء يجملن حياتي ويزدنها بهجة!
رفعت حاجبها مستنكرة :
 
– ماذا يعني هذا ؟ هل سأضطر لقتل أحداهن ؟
 
– أنت والورد والقهوة..!
 
قال مبتسما مسفراً عن أسنان كبيرة مصفرة..
 
أردف غامزا إياها :
 
– دعينا من هذه الملفات ، فلنشتغل على ملف آخر !
جذبها إليه فدفعت يده نحو الملفات قائلة بدلال :
– يجب أن توقعها ، نرسلها إلى الوزارة ثم نشرب القهوة معاً..
 
هم بالملفات يوقعها بسرعة وعيناه متعلقة بها.
تسري الحرارة في جسده و ترتفع مع تزايد عدد الأوراق الموقعة..
وقع ووقع ..صفقات ، مشاريع ، أموال ، تحويلات …
يمناه توقع ويسراه تتحسس فخذها الطري .
وسرعان ما انضمت اليمنى لمعاضدة اليسرى في اعتنائها بالحمامة الزهرية والتحليق معها..
 
تنام الحمامة في شقتها بجانب صديقها الأوروبي الذي يفتح حاسوبه المحمول و يدقق في بعض التفاصيل ..
 
تفتح عينيها بتثاقل :
 
– شيري ( عزيزي ) ماذا تفعل ؟
 
اقترب منها مبتسما. طبع قبلة على شفتيها وعاد إلى النظر إلى شاشة حاسوبه مرة أخرى..
 
– متى ينتهي كل هذا ؟ لم أعد أطيق رفقة ذلك البدين الأبله..!
 
– قريباً ..قريباً.. خطوة واحدة فقط حبيبتي ..!
 
رن هاتفه الخلوي ..
 
– نعم …!
 
استمع قليلا إلى المكالمة..
 
– شكراً على المعلومة ..!
 
إلتفت إليها ضاحكاً..
 
– لقد نجحنا ! هيا إلى عالمنا ..!
 
**
 
أخبر المدير زوجته بأنه سيغيب عن البيت لمدة أسبوع للقيام بشغل خارج البلد..
انطلق نحو العمل مغتبطاً . رتب كل شيء. أجازة عسل مع جميلته. حجز إقامتهما في الفندق . ودفع ثمن هدية لها.. قلادة ذهبية رائعة.
سيعرض عليها الأمر وهو متأكد من ترحابها بالفكرة..
دخل مكتبه . لا ورد ولا قهوة . السكرتيرة غير موجودة.
جلس على الأريكة بانتظارها. خمن أنها ربما تأخرت لأنها انشغلت باشتراء الملابس أو العطر أو شيء من تلك المنتجات الناعمة التي تجعلها مميزة..
طرق أحدهم الباب ..قال في نفسه ها قدمت.
فتح الباب بسرعة ليجد أمامه رجالا بزي نظامي..
وضع قائدهم هويته في وجه المدير قائلا:
 
– الشرطة المالية و الاقتصادية..!
أنت متهم باختلاس أموال المؤسسة وتهريبها للخارج.
 
– لا ! لا ! في الأمر خطأ ما !
 
قبضت الشرطة على المدير دون أن تستمع لكلامه..
 
أودعته السجن ..قبع مبتئساً وقد سالت العبرات على خديه..
 
أحد الحراس يصرخ فيه :
 
– كف عن هذا ! سيدة تريد رؤيتك.. !
لديك خمس دقائق فقط أتفهم !
 
تهللت أساريره ..قال في نفسه ” إنها هي.. مؤكد.. لقد اشتاقت لي..
 
وقف مبتسماً. مسح وجهه بيديه.. أجال بصره في المكان متأهباً..
 
اختفت فرحته لما شاهد من بين القضبان زوجته تقف أمامه باكية حزينة..

        

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق