اخبار عربيةشعر و أدب

قصة أريكة جدي .. للقاصة الجزائرية / سراى نور فرح

قصة أريكة جدي .. للقاصة الجزائرية / سراى نور فرح

د. حاتم العنانى (المستشار الإعلامى للوكالة)
للقلب نبضاته وللروح همساتها وللعقل أفكاره فالمبدع إنسان عادى طور من ذاته وتفانى فى العطاء فأصبح يمتلك بصمة مضيئة فى عالم الإبداع وخلف كل إبداع أدبى فكرة وخلف الفكرة خطوة وخلف المبدع محبين له يؤمنون به ويدعمونه ليبوح قلمه بالإبداع وعندما يبوح القلم بالأفكار تكون هى الإبداع وتسعد بها الأرواح
 
أقدم لكم قصة السفيرة الأديبة القاصة الجزائرية / سراى نور فرح (13 عاماً)

أريكة جدي

بقلم: السفيرة القاصة / سراى نور فرح

 
اليوم تمر سنة على وفاة جدي، ذلك بشوش القسمات والمرح…شخصيته تدفعك للتفاؤل ورغم تقدمه في السن إلا أن قلبه كان وظل شاباً مفعماً بالحيوية، جدي ذلك ثابت المزاج عيبه الوحيد كان تلك الأريكة، عشت طفولتي أتساءل ولم أجد لحد الساعة إجابة لسؤالي …ما سر تلك الأريكة التي كان يمنعني من الجلوس عليها رغم أني الحفيد الوحيد والمدلل للعائلة؟
رحمة الله عليك ياجدي…فلتعلم أني لازلت أزور عمي سليمان وأؤنسه في الحديقة وألعب معه لعبة الورق، ولتعلم أني فعلت المستحيل لأحصل على الأريكة وأضعها في غرفتي..ولتعلم أني لحد الساعة لم أجلس عليها، لأني لا أعرف لما كنت تمنعني من الجلوس عليها؟…وحتى ّأعرف أمانع جلوسي عليها حتى أشبع فضولي..استرسلت في الحديث يا جدي ونسيت أن لدي موعد مع طبيبك، فقد اتصل بي البارحة حتى أقابله…وأي شخص له علاقة بك أزداد نشاط وحيوية وحماساً للقائه
أتذكر طبيبك يا جدي؟ ذلك الذي أتعبته معك كثيراً…لا تلتزم بنصائحه ودائماً توصل نفسك للتهلكة وحجتك الواحدة والوحيدة أن “الأعمار بيد الله، ولو قدر لك الموت ستموت “، أتذكر كم اشتكى منك والدي لأمي؟ وكانت تقول له”صبراً”…فيردد قائلاً أن لديه شقيان، كنت أنا ذلك الشقي الثاني الذي ورث عنك كل شيء ….
أحبك يا جدي…واليوم سأرى أحداً لطالما اشتكى منك لكنه مع ذلك كان سعيداً لأنك مريضه الذي يسدي له النصيحة حين يحتاجها،فقد كنت له أباً أيضاً…
جدي…في طريقي إلى طبيبك وكلي شوق لأراه ، فمنذ رحيلك رأيته مرة أو مرتين فقط ورغم أن الفضول يقتلني لأعرف الموضوع الذي طلب لقائي لأجله، إلا أني مع ذلك مرتاح وأشعر أنك موضوع الحديث….جدي أبي يفتقدك كثيراً فشقاوتك أفقدته حلاوة الحياة بعد رحيلك وصار كئيباً وصار مصدر شكوى أمي ففقدان لذة وجودك في حياته جعلته فاتر الشعور وكئابته أثرت على حياته معها..
أتعلم يا جدي ..متأخراً عرفت بأنك كنت محور الحياة في هذا المنزل..ورحيلك بعثر أوراقاً كثيرة ظلت لعقد من الزمن مرتبة ..وذلك لأن حكمتك وبركتك كانت تمنح طاقة إيجابية لكل واحد منا..وصلت الآن يا جدي لطبيبك العزيز..وسأكون مصغياً له بإهتمام لأنك علمتني أن سر فهم الناس الإصغاء إليهم بصدق..أنت مازلت ملهمي ومعلمي رحمة الله عليك..
– مرحبا دكتور/ مروان
– أهلاً أحمد ..كيف حالكم.؟..أعتذر لتقصيري ..لأني لم أزركم منذ زمن..لكن قلبي كان دوماً معكم فالذي فقدتموه سيظل يجمعنا..وهو أب لي على فكرة ..
– شكراً..أقدر لك ذلك..رحمة الله عليه..آراك ذكرت جدي هل الموضوع يخصه لتطلب رؤيتي..؟
-..أكيد ..لديا رسالة من جدك ..شرطه الوحيد كان أن تسلم لك بعد مرور سنة..
بعنف أخذ أحمد الرسالة من مروان وراح يضمها بشدة ويشتم رائحتها وهو يبكي بكاء المشتاق ..ثم ودع مروان في عجالة معتذراً لموقفه العنيف ورحل مسرعاً وهو يحدث نفسه..جدي لما اليوم بالذات تحدثت معك مطولاً ..وكل إرتباطاتي تخصك..ولما تزداد ألغازك غموضاً مع أن خاتمتك كانت جميلة ..فعلى سجادة الصلاة انتقلت روحك لخالقها..رحمك الله يا جدي ..رحمك الله..
أتعرف ..لن أفتح الرسالة لأقرأها حتى أصل قبرك..وأظن أنني وصلت دون أن أدرك ذلك.. جدي العزيز أتدري بما أشعر ..أشعر بشلل في كامل جسدي ..ولا أستطيع التنفس من شدة الاختناق..وعينايا من كثرة البكاء أشعر بأني لا أرى الكتابة بوضوح رغم أنك تحمل لقب أوضح خط في عائلتي..لكن لا تقلق سأحاول تدارك معاناتي وأتخطى الوضع وأقرأها في حضرتك..
بعد بسم الله والصلاة على رسول الله..عزيزي / أحمد كبرت يا شقي ..وصرت مهندساً ناجحاً..ومثقفاً وواعياً لما حولك..وقد حان الوقت لتحمل مسؤلية العائلة..بعد أن استطعت زرع فيك ما يُـبقي نور المنزل ساطعاً..أعرف أنك وجميع من معك ستستفيقون على خبر رحيلي يوماً..ولست خائفاً من الموت..لكني خائف عليكم من بعدي فالرجاء يا حفيدي العزيز أن تنفذ وصيتي لتبقى ركائز المنزل قائمة وكأني موجود ..وتبقى بركة وجودي تحرسكم وترعاكم بعد رعاية الله..حفيدي أريدك أن لا تدع والديك يغيرون مكان الأريكة..وأيضاً أريدك هذه المرة أن تجلس عليها فقد آن الآوان..وأنت الذي لطالما سألتني مراراً وتكراراً.. لماذا تمنعني الجلوس عليها ..؟ آن الآوان يا عزيزي لطالما كنا أشقياء ..وقد ورثت كل طباعي بشهادة الجميع..عليك أن تستلم مهامي وتعيد السعادة للمنزل ..احتوي ابني وزوجته..وكن أنا الذي يزعج وإزعاجه عسل على القلب ..كن أنا وسترى يا أحمد كيف تشعر بوجودي في عيون من حولك؟ .. ولا تنسى زيارة عمك سليمان وابني الثاني الدكتور / مروان..
حفيدي العزيز ..لا تتحسر لفراقي بل كن أنا وسترى أنني أعيش في كل مكان ..
قرأ أحمد الرسالة وهو يجهش بالبكاء وراح يضم القبر وهو يصرخ جدي لما رحلت..؟ ..كنت بحاجة شديدة إليك ..ومع أن سرك عُــــرف أخيراً ..لكنك حرمتني فرصة أن أقول لك كم أنت عظيم؟ ..لا يسعني إلا الترحم عليك..ظل أحمد يمسك بقبر جده ويبكي حتى نام ولم يستفق إلا على صوت والده ينادي..
– أنت هنا ونحن نبحث عنك..إنهض يا بني لنعود إلى البيت..
منذ ذلك اليوم ..عاد كل شيء إلى مكانه.. وصار أحمد يجلس على الأريكة ليشاغب والديه..وعادت الحياة تدب من جديد في بيت سكنته التعاسة منذ سنة مرت ..رحمك الله يا جدي …

سبتمبر 2019م

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق