المرأة

من هي المرأة السعودية؟!

كتبت/ سهير على 

يقدّم الدكتور علي بن عبدالعزيز العبدالقادر وثيقة تاريخية مهمة في كتابه “المرأة.. الإرادة والتحدي” الذي يرصد الكثير من مناحي النشاط النسائي، في المملكة، على امتداد أربعة عقود مضت.
هذه الوثيقة تراجعها الدكتورة أميرة كشغري* على خلفية الجذور التاريخية المتقاطعة مع واقع المرأة في الحضارات الإنسانية بشكل عام، وفي التشريع الإسلامي بشكل خاص.

احتلّ موضوع المرأة ووضعها في المجتمع مركزاً حيوياً على مر العصور والحضارات في المجتمعات الإنسانية. فالمرأة على مر الزمان كانت موضوعاً للتمييز وللممنوع و المحرّم ضمن منظومة القيم السائدة و التقاليد المعمول بها والأعراف الحاكمة في المجتمعات الإنسانية.

ففي مجتمع الجزيرة ما قبل الإسلام، مثلاً، كانت المرأة أدنى مرتبة من الرجل، ولم تبرز من هذه المرتبة إلا استثناءات قليلة يذكرها التاريخ كالسيدة خديجة بنت خويلد. إذ لم يكن للمرأة حق في الميراث الذي كان يُوزَّع حسب رغبة الأب، كما لم تكن لها حقوق قانونية. كان المجتمع يفرض عليها أن تكون أدنى مرتبة من الرجل و هي الموؤدة وهي مصدر العار للعائلة. ولقد وصف الله في محكم تنزيله هذه الصفات في قوله تعالى: ‭}‬وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ (59)| (النحل)، والصورة نفسها لم تختلف كثيراً عند الرومان والفرس وفي الصين وفي الهند وفي أوروبا في العصور الوسطى.

ولكن البشرية تخطو باستمرار نحو نظم اجتماعية أكثر رقياً، وتبني شيئاً فشيئاً وعيها الذاتي بإنسانيتها. ولقد رسم الإسلام أول ملامح التخلص من هذه المعاملة غير الإنسانية، وذلك عبر تأكيد إنسانية المرأة وعبر تكليفها بالعبادات ومساواتها في الثواب والعقاب، وأخيراً عبر تأطير قيم الخير الكامن في الإنسان ومحاربة الظلم أياً كان شكله. ولعل التنفير من الظلم – من دون الخصال الأخرى – برز بشكل قوي يدعو إلى التأمل. يقول الحق سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: “يا عبادي إني حرمتُ الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرَّماً فلا تظالموا”. ولا يفوت المتأمل في هذا الحديث القدسي أن الله سبحانه وتعالى لم يكن بحاجة إلى أن يحرم أمراً على نفسه. بل كفى المؤمنين تصديقاً لو قال إني حرمت عليكم الظلم. ولكنه أراد – سبحانه – أن يبين غلظة الظلم بهذا الشكل القوي والجلي.

إلا أن المجتمعات البشرية – كانت أبداً – تقصر عن اتباع المثل السامية التي شرعها لنا الله عبر رسالاته. فما أن تحسن وضع المرأة في عهد النبوة وما بعدها حتى عاد تحت وطأة الأعراف والتقاليد وعبر الجهل والارتداد إلى ما كان مألوفاً من عادات وتقاليد مجحفة بحق المرأة.

نخلص من هذه اللمحة إلى أن المرأة، كقضية، أصبحت المحور الذي يدور حوله التشكل الثقافي والاجتماعي، وأصبحت قضيتها هي قضية المجتمع بأكمله، فالمرأة – بحكم كونها نصف سكان المعمورة وبحكم كونها مختلفة بيولوجياً عن الرجل – أصبحت موضوعاً جاهزاً عند التصدي لما يواجه المجتمع من تحديات.

ومن هذا المنطلق نجد قضية المرأة في المجتمع السعودي جزءاً من قضية المرأة في كل زمان ومكان حسب تشكُّلات الواقع والسياق التاريخي والثقافي والاجتماعي. فالمرأة السعودية، مثلها مثل غيرها من النساء، عنصر فاعل في مجتمعها يسهم في البناء والتنمية، ولكنها – في عملية البناء هذه – تظل محكومة بعاملين محوريين:

_ 
أولهما: مرجعية المرأة السعودية وهي الشريعة الإسلامية التي سنت وشرعت حقوق المرأة وواجباتها وموقعها في المجتمع الإنساني.
_ 
ثانيهما: مجتمع المرأة السعودية محكوم بعادات وأعراف بعدت في بعض الأحيان عن جوهر الشرع بالاسترسال تشدداً في ممارسة الحياة بشتى جوانبها.

يضعنا هذان العاملان، إذن، أمام إشكالية الانتقال من أعراف تجذّرت في المجتمع حتى أخذت الصبغة القدسية إلى حياة واسعة رحبة مستمدة من المرجعية الدينية الثابتة التي جاءت بها نصوص قطعية الدلالة. ولقد فصلت سورة النساء أبرز الأحكام المتعلقة بالمرأة من النواحي القانونية والمدنية والمالية والاجتماعية. كما جاءت آيات عن النساء والأمهات والزوجات في سور أخرى من القرآن الكريم. كما أن سيرة الرسول الكريم أضافت وفصّلت في الأحكام وفي الصور الإنسانية للتعامل بين الرجل والمرأة.

ولو قرأنا، بتمعن وتبصر، ما ورد في سورة النساء من تشريعات خاصة بالمرأة، لوجدناها كفيلة بوضع صورة كاملة لحقوق المرأة ومنزلتها. فالمرأة أولاً هي إنسانٌ مكرَّمٌ خلقه الله من نفس واحدة: ‭}‬يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء| (النساء: 1). وقد فصلت السورة شروط تعدد الزوجات والمهر، كما بينت حقوق المرأة اليتيمة وتفاصيل الميراث. كما عالجت الخلافات الزوجية وبيّنت إجراءات الإصلاح بين الأزواج وتعرضت للعضل والعشرة الزوجية والتفاضل بين الرجال والنساء في الميراث والقوامة وشروطها ومعاملة الناشز من الزوجات.

وعلى الرغم من وضوح هذه التشريعات من ناحية، وحضّ الدين على العدل من ناحية أخرى، فإننا نجد أن هناك من العادات والأعراف ما يبعد عن هذه الحقوق والتشريعات بدرجات متفاوتة. ذلك لأن الموروث الثقافي، منذ القدم، كان له تأثير في تفكير المسلمين في مختلف العصور، ولا ينبغي أن يكون ذلك مستغرباً، كما أن هذه العودة لا تنتقص من الإسلام في شيء. بل ولعل الله أنبأنا أن ذلك سوف يحدث، قال تعالى: ‭}‬وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ| (آل عمران: 144). فلا يفهم أحد أن النقد الحاصل للممارسات السائدة هو نقد للدين – وحاش لله – بل هو نقد لأنفسنا – نحن المسلمين – في محاولة لإصلاح حالنا.

ويجيء كتاب الدكتور علي بن عبد العزيز آل عبد القادر “المرأة: الإرادة والتحدي” الصادر عن الدار السعودية للنشر عام 1425هـ (2004م) في مرحلة حيوية من هذا النقد الذاتي الذي يعيشه المجتمع السعودي ليزود المكتبة العربية عامة، والسعودية خاصة، بمصدر علمي وثقافي عن جانب من جوانب هذه المرحلة، مؤرخاً للنهضة النسائية الحديثة في المملكة خلال العقود الأربعة الأخيرة منذ بدايات التعليم النسائي في المملكة عام 1960م، مالئاً فراغاً معلوماتياً فيما يخص إسهام المرأة السعودية في النهضة التنموية الحديثة في المجتمع السعودي.

يقع الكتاب في جزءين ناقض الجزء الأول منه، باستفاضة، قضايا تتعلق بالمرأة في المملكة العربية السعودية في مجالات التعليم والثقافة والعمل. ففي مجال النهضة التعليمية للمرأة السعودية يوثق الكتاب إنجازات هذه المرحلة بالعديد من البيانات والجداول والاحصاءات التي تعتبر مرجعاً للباحثين. ولقد تبع هذا النجاح الكمي تطور نوعي، حيث أدخل التعليم الفني و المهني (في المجال الصحي) و تعليم الكبار و التعليم الخاص بالإضافة إلى التعليم العالي و البعثات. ويكمن الإسهام الأبرز للكتاب في العرض المفصل للنهضة الثقافية للمرأة السعودية، حيث يبدأ بعرض مناهج النظرية الثقافية في الحضارات الإسلامية من حيث الحقوق، ثم يقدم لنماذج من النساء المثقفات في المجتمع الإسلامي في ميادين الدراسات الدينية والأدبية، بالإضافة إلى الطب والفن والتدريس والقضاء والتجارة. ثم يشرح الكتاب أسس السياسة الثقافية وأهدافها ومؤسساتها في المملكة. وأخيراً يُختم الجزء بعرض نماذج من سير السعوديات اللاتي أسهمن في خدمة المجتمع في شتى الميادين.

وشمل الكتاب عرضاً للنهضة النسائية في مجال تطور عمل المرأة السعودية مؤصلاً للمنظور الإسلامي لعمل المرأة و حقوقها في الإسلام كما بينها القرآن الكريم و فصلتها السنة النبوية. وفي إطار هذه الرؤية الإسلامية لعمل المرأة، تعرض الكاتب لدوافع العمل لدى المرأة السعودية مستنداً إلى دراسات متعددة في هذا المجال. ثم استعرض مجملاً لحقوق المرأة السعودية العاملة في القطاعين الحكومي و الأهلي حسب أنظمة الخدمة المدنية منذ صدور نظام المأمورين عام 1931م وحتى نظام الخدمة المدنية الصادر عام 1977م الذي لا يزال العمل به قائماً.

الجزء الثاني من الكتاب يشمل دراسة قام بها الكاتب ونشرت عام 1995م بعنوان “اتجاهات طالبات جامعة الملك فيصل نحو عمل المرأة”. كما يشمل سيراً ذاتية لعدد من نساء المملكة تعكس مسيرة المرأة السعودية في نهضتها الحديثة وإصرارها على تحقيق أهدافها. و رغم أن الكاتب لم يتوسع ليشمل إسهامات المرأة في مناطق المملكة المختلفة بل اقتصر في مجمله على نساء المنطقة الشرقية، إلا أن الكتاب والسير الشخصية تعتبر بحق شهادة للحقيقة وللتاريخ.

ربما بدا الكتاب الآن وكأنه مجرد تجميع لبيانات ومعلومات عامة، إلا أنه سيكون دائماً نافذة تطل من خلالها الأجيال القادمة لتكون لنفسها صورة عن هذه الحقبة المفصلية من تاريخ المملكة ومجتمعها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى