مقالات

تجنيد الدبلوماسيين الأمريكان والإسرائيليين ورجال إستخباراتهم لصالح الصين، وتكتيكات إختراق وكالة المخابرات المركزية الأمريكية والموساد الإسرائيلى… بالإستفادة من التجربة الصينية

 

– تحليل إستخباراتى للدكتورة/ نادية حلمى

الخبيرة المصرية فى الشؤون السياسية الصينية والآسيوية- أستاذ مساعد العلوم السياسية جامعة بنى سويف- محللة إستباقية إستخباراتية لدراسات المستقبل المنظور والنظام العالمى الجديد

كان أكثر ما شغل بالى خلال الفترة الماضية بعد سيطرة وكالة الإستخبارات المركزية الأمريكية والموساد الإسرائيلى على عدد من المحيطين بى من أساتذة وزملاء وأقارب لإشاعة قصة جنونى فى كل مكان، رغم عزلتى الشديدة عن الجميع، نظراً لطبيعتى الأكاديمية والتحليلية الإستخباراتية الصارمة، والتى تضطرنى بشكل تام للإبتعاد عن كافة مظاهر الرفاهية أو للتسابق فى التعرف على آخرين لأسباب أمنية بحتة، تتعلق بسلامتى الشخصية لإستهدافى من قبل جهازى الموساد الإسرائيلى والمخابرات المركزية الأمريكية منذ سنوات طويلة، وهو الأمر الذى أشعرنى بالأسف الشديد، لإنحدار أخلاق البعض، وبيعهم لضمائرهم وأخلاقهم بأى ثمن مقابل بضعة جنيهات ستنتهى وتنفذ سريعاً، ولكنها تسببت فى إيذاء إنسان كان يبحث عن إستعادة كرامة وهيبة العرب ومساعدتهم فى تفكيك كافة شبكات التجسس الأمريكية والإسرائيلية فى الشرق الأوسط والمنطقة، فضلاً عن إعداد أجيال جديدة قادرة على التحدى وفرض وإملاء شروطها على الجميع بكل صرامة وحزم. ولكن فى خضم هذا الصراع، صدمت فى أخلاق الكثيرين من حولى، ممن باعوا وخانوا بثمن زهيد.

لذا، كانت الفترة السابقة واحدة من أهم فترات حياتى كلها، لشغلى فكرى ومجهودى التحليلى الإستخباراتى كمحللة إستباقية إستخباراتية، ومنظرة مستقبلية ترسم شكل المستقبل المنظور وخرائط العالم الحديث، وتعيد تشكيل تحالفات العالم الجديد، بعد تفكك ملامح الهيمنة الأمريكية ومعها الإسرائيلية، مع صعود قوى عظمى أخرى إقليمية ودولية، كالصين وغيرها، لمساعدة العرب والشعوب النامية جميعاً على تحدى الهيمنة الأمريكية بشكل تام، ومحاولتهم الدائمة لفرض شروطهم علينا، بل ورسمى لخطط من أجل تشجيع العرب وأبناء الشعوب العربية والنامية على إختراق العمق الأمريكى ذاته، عبر إنهاء تلك الهيمنة الأمريكية عليهم، بتفكيك كافة شبكات التجسس الأمريكية فى مصر والمنطقة بل والعالم، مع الدخول إلى عمق وكالة الإستخبارات المركزية الأمريكية والتجول فى مبنى الموساد الإسرائيلى، للحصول على كل ما نريد معرفته من معلومات، تمكننا من تحدى أمريكا كقوى عظمى وإجبارها على الرضوخ لشروطنا وإملاء شروطنا عليها وعلى الإسرائيليين أنفسهم، بعد تفكيكنا لجهاز الموساد الإسرائيلى نفسه من الداخل بعد إختراقه.

ومن خلال ملاحظتى الدؤوبة، ودراستى السيكولوجية والنفسية لعقليات وشخصيات عدد من الدبلوماسيين الأمريكان والإسرائيليين، وبحثى عن أى أحاديث مسجلة سابقة لرجال الإستخبارات الأمريكية والإسرائيلية، لاحظت بعناية شديدة مدى الحالة من التخبط وعدم الإحترام لسياسات دولهم، وتحاملهم عليهم بشدة. وهو الأمر الذى أستوقفنى بعين الخبيرة الإستخباراتية المتفحصة للموقف برمته. فخلصت لنتيجة عبقرية، مفادها بأن أسهل الشخصيات القابلة للتجنيد بأى ثمن هم الدبلوماسيين الأمريكان والإسرائيليين ورجال إستخباراتهم العسكرية والمخابراتية العامة، بالنظر لطبيعة الضغوط، وحجم المعاناة الهائلة الواقعة عليهم، فضلاً عن حالة عدم رضائهم بشكل تام عن سياسات دولهم ولا أجهزتهم الإستخباراتية بتشكيلاتها الحالية. وهذا ربما ما لعبت عليه خلال الفترة الماضية، بمتابعتى لكافة أنشطة من توصلت إليهم من دبلوماسيين أمريكان وإسرائيليين، ومتابعتى الصارمة لكل ما يقع تحت بصرى من أحاديث لرجال إستخباراتهم لتحليل نقاط القوة والضعف فى شخصياتهم، وكتابة وتدوين ذلك بشكل مستمر، للتعرف على أبرز المشتركات بينهم، وتتبع ومعرفة تلك الفروق الفردية، والتى مكنت أجهزتهم الإستخباراتية والدبلوماسية من الإستعانة بهم خلال الفترات السابقة. فتوصلت لنتيجة قصوى، ألا وهى إمكانية إخضاع كافة الدبلوماسيين الأمريكان والإسرائيليين ورجال إستخباراتهم بشكل تام لصالح أجهزة إستخباراتية أخرى، يناصبونها العداء والفخر والإعجاب فى الوقت ذاته، كمثل نظرتهم إلى الصين وروسيا عدويهما اللدودين. ومن هنا، شرعت فى رسم ملامح الإقتراب وتفكيك رموز وشفرات العلاقة بينهم وبين أجهزتهم الإستخباراتية الحالية من تواصل متقطع أم إنفصال تام، يليه مرحلة فاصلة من عدم الإهتمام أو تجاهل السؤال. لأننى من خلال تلك الجزئية والتفصيلة تحديداً، يمكننى النفاذ إلى أعماقهم إستخباراتياً وأمنياً ونفسياً، ثم ضمان السيطرة عليهم، تماماً مثلما يفعلون معى ومع من حولى، لضمان السيطرة على، لإعتبارهم أننى واحدة من أبرز العقليات التحليلية الإستخباراتية الإستباقية عالمياً، فضلاً عن شخصيتى المخيفة بالنسبة لهم لقربى من دولتى الصين وروسيا وأصدقائهم على حد سواء.

وقياساً على النقطة السابقة الخاصة بإمكانية تجنيد رجال إستخباراتهم ودبلوماسييهم وإخضاعهم لشروطنا – وهو ما حاولت لفت نظر دولتى الصين وروسيا له – فلقد نجحت الصين فى إحراز عملية إختراق غير مسبوقة لملفات كافة الدبلوماسيين ورجال الإستخبارات الأمريكية والإسرائيلية على حد السواء. وساعد الصينيين فى ذلك، هو نجاحهم المطلق ومنقطع النظير فى إختراق عمق ملفات، تخص جهاز الموساد الإسرائيلى وكافة العاملين أو المتعاملين فيه، مما أدى إلى الكشف عن بيانات عشرات الآلاف من موظفى الموساد، وجهاز الأمن “الشاباك”، ولجنة الطاقة الذرية الإسرائيلية، والمعهد الإسرائيلى للبحوث البيولوجية، والقوات العسكرية الإسرائيلية، والتى تشمل: أسماء أبرز الطيارين، موظفى الإستخبارات، أعضاء القوات الخاصة، العلماء النوويين فى إسرائيل. وتخشى إسرائيل أن تستفيد جهات عديدة من هذه المعلومات، مثل: الإستخبارات الإيرانية، حزب الله فى لبنان، فضلاً عن العديد من وكالات الإستخبارات الأخرى، والتى لا تقيم علاقات ودية مع إسرائيل.

وتحاول الإستخبارات الصينية ومعها الروسية الحصول بإستمرار على جميع المعلومات والوثائق والمستندات والخطابات التى ألقيت فى كافة المؤتمرات الإسرائيلية، أو التى كانت إسرائيل طرفاً أصيلاً أو مشاركاً فيها. حيث تعد القضية الأكثر خطورة لدى الإسرائيليين، تتعلق بمدى إستعداد الجيوش ووزارات الدفاع العربية فى الوقت الحالى، لتشكيل “تحالف دفاعى عسكرى مشترك بين إسرائيل والعرب لمحاربة إيران”. وهو الأمر الذى حاولت لفت نظر الصينيين إليه، وتمخض عنه تشكيل الصين لمنصة عمل متعددة الأطراف لإحداث نوع من الحوار والتقارب بين الخليج العربى وإيران، بعيداً عن سياسات الإستفزاز الإسرائيلية والأمريكية، ومحاولتهما الدؤوبة لإشعال وتأجيج الموقف فى المنطقة ضد إيران كحليفة للصين وروسيا، لصالح التقارب الإسرائيلى مع الخليج والجميع.

ويعتمد الموساد، وغيره من أجهزة الإستخبارات والأمن الإسرائيلية، على هذه البيانات التى تمتلكها (وزارة الداخلية الإسرائيلية)، بهدف تجنيد أعضاء جدد، سواء فى داخل إسرائيل نفسها أو خارجها. كما تعمل الإستخبارات الإسرائيلية، خصوصاً الموساد، على إستخدام هويات مزيفة أو مستعارة لتنفيذ كافة عملياته الأمنية. سواء كان ذلك بهدف تنفيذ عمليات المراقبة وجمع المعلومات أو للتسلل لأماكن معينة أو لشراء معدات حساسة.

ويعد تسريب مثل هذه المعلومات للصين أو لغيرها أمر كارثى للإستخبارات الإسرائيلية وللموساد، لأن ذلك يؤدى إلى إمكانية ربطها بالأنشطة التى تتم فى الخارج تحت هويات إسرائيلية أو أجنبية مزيفة. كما أنه من الممكن أن يؤدى تسريب تلك المعلومات الحساسة التى إخترقتها الصين إلى إحباط العديد من العمليات الإسرائيلية الأمنية فى الخارج أو تقود للقبض على عملاء الموساد عبر وكالات الإستخبارات الأجنبية. وفوق كل هذا، يمكن عبر التحقق من تلك البيانات الإسرائيلية الإستخباراتية المسربة، التأكد من الاشخاص الأحياء، والشخصيات المتوفية التى يستخدم الموساد الإسرائيلى هوياتهم فى مهام سرية لإخفاء الهوية الحقيقة للعميل الإسرائيلى الموكل إليه تنفيذ مهمة ما.

والأبرز عندى، هو متابعة وإستهداف الصين لكافة أنشطة وعمليات جهاز الموساد الإسرائيلى ومتابعته الدقيقة لكافة الطلاب العرب من الدارسين للصناعات الدفاعية والعسكرية فى الخارج، وتتبعهم من قبل عناصر الموساد الإسرائيلى منذ دراستهم الجامعية الأولى، حتى بدء تخرجهم وإنتهاء دراستهم ثم سفرهم لأوطانهم. وهذا ما تعلمه الصين جيداً من خلال العديد من المعاونين لها من دول وأفراد، للحصول على الكثير من المعلومات الحساسة التى يحاول عناصر الموساد الإسرائيلى الوصول إليها والتعرف عليها، ثم تحويلها إلى عدة تقارير إستخباراتية فى ملفات، وتتبع عملاء الموساد المسؤولين عن متابعة طلاب وباحثى الصناعات الدفاعية والعسكرية، وبحث علاقتهم مع مسؤولى جهاز الموساد فى عدة بلدان أخرى غير الأراضى الإسرائيلىية نفسها فى الخارج، ومحاولة الصين الدؤوبة لتفكيك كافة برامج التشفير الإسرائيلية الإنترنت، والتى تستخدمها إسرائيل فى التواصل مع العملاء، وهو الأمر الصادم بالنسبة للموساد الإسرائيلى، والذى يعد بمثابة (الزلزال الإستخباراتى) بالنسبة لإسرائيل.

وتبقى النقطة الإستخباراتية الجديرة بالذكر عندى بالنسبة للصين والمنطقة، وهو ما تؤكده كافة الوثائق الإستخباراتية التى حصلت الصين عليها مؤخراً، بأن هناك تذبذب واضح فى مواقف قادة الجيوش ووزارات الدفاع العربية خلال إلقائهم لكلماتهم فى المؤتمرات الأمنية والعسكرية المشتركة بينهم، وداخل مقار جامعة الدول العربية، على أن تلك الجيوش العربية ما زالت بعيدة عن أن تكون جاهزة ومستعدة لخوض أى حرب أو صراع مشترك مع إسرائيل ضد إيران. وتعد تلك التحليلات أو خلاصات المناقشات السرية المغلقة لقادة الجيوش ووزارات الدفاع العربية بالنسبة لموقفهم من التحالفات العسكرية والدفاعية المشتركة لمواجهة تحركات طهران بالتعاون مع القادة العسكريين فى تل أبيب، بمثابة أكبر كنز إستراتيجى بالنسبة للصين وروسيا وإيران على حد سواء، وهو ربما ما فطن إليه قادة الموساد الإسرائيلى، والمعروف بأنه يتبع مباشرةً لمكتب ديوان رئيس الوزراء بشكل شخصى، وقيامهم وفق ما فطن إليه الصينيين بتزويد المستوى السياسى الرفيع فى إسرائيل بالمعلومات القيمة عن عدم إستعداد الجيوش العربية والخليجية للمواجهة العسكرية مع إسرائيل ضد إيران.

وعلى الجانب الآخر، وبعد نجاح الإستخبارات الصينية فى تفكيك كافة شبكات التجسس الأمريكية على الأراضى الصينية بشكل تام، ظهر الشك فى نجاح الصين فى تجنيد دبلوماسيى السفارة الأمريكية فى بكين للعمل لصالحها وظهر الشك الإستخباراتى الأمريكى فى الجميع، بما فيهم السفير الأمريكى فى السفارة الأمريكية فى بكين ذاته. وهو الأمر الذى دفع كافة وكالات الإستخبارات الأمريكية، لتشكيل (مجموعات عمل خاصة من صفوة ونخبة رجال الإستخبارات الأمريكية، وأكثرهم خبرة وأعلاهم رتباً سواء داخل مكتب التحقيقات الفيدرالى أو وكالة الإستخبارات المركزية الأمريكية)
FBI & CIA

وخصصوا لهذه المجموعة مقراً سرياً للغاية إختاروه بدقة فى شمال ولاية فرجينيا الأمريكية، وكلفوها بتحليل كل عملية، والقيام ب (دراسة ملف كل الدبلوماسيين العاملين فى السفارة الأمريكية في بكين بعناية بالغة، بغض النظر عن رتبهم الدبلوماسية، بما فى ذلك السفير الأمريكى نفسه، خشية من تجنيدهم لحساب الصين).

وهو ما قد نجحت فيه الإستخبارات الصينية بشكل تام، بالنظر إلى إستهداف مسؤولى وزارة الخارجية الأمريكية والإسرائيلية من قبل الصينيين، والأخطر إستهداف الصين لتجنيد كبار الرتب والقيادات الأمنية والعسكرية والمخابراتية الأمريكية والإسرائيلية لحساب وزارة أمن الدولة الصينية، التى تعد بمثابة جهاز الإستخبارات الرئيسية بالنسبة للصين. ويعاونهم كافة شبكات التجسس الصينية الواسعة والمنتشرة حول العالم، بالنظر إلى التوجيهات الصادرة عن الرئيس الصينى الرفيق “شى جين بينغ” فى عام ٢٠١٨، وتوجيهاته الصارمة للشركات الصينية بتعديل لوائحها الداخلية لوضع مفاهيم (الولاء والإنتماء للدولة الصينية فوق تحقيق الربح الإقتصادى ذاته). ويبقى الدور الأكبر والأخطر، ممثلاً فى جهاز (وزارة أمن الدولة الصينية) فى بكين، عبر تجنيدها للضابط السابق فى وكالة الإستخبارات المركزية الأمريكية “سى آى إيه”، والذى يدعى “جيرى تشون شينغ”، ومن خلاله إستطاعت المخابرات الصينية فى معرفة وتتبع كافة قوائم العملاء الذين يعرفهم من عملاء المخابرات الأمريكية “السى آى إيه”، والأخطر هو مساعدة ضابط الإستخبارات المركزية الأمريكية السابق “جيرى تشون شينغ” للإستخبارات الصينية فى فك رموز نظام الإتصالات المشفر المعروف بـ “كوافكوم” للإيقاع بالشبكة الأمريكية للتجسس بأكملها فى الصين.

ويعد أخطر جهاز صينى للإستخبارات هو (وزارة أمن الدولة الصينية)، وتبدأ وزارة أمن الدولة الصينية فى مراقبة وتجنيد ضباطها منذ المرحلة الجامعية الأولى، حيث يأتى معظمهم من طلاب (جامعة بكين للعلاقات الدولية)، ويعد هذا هو الفارق الرئيسى فى النهج الصينى لتجنيد ضباط الإستخبارات فى المراحل الجامعية الأولى لهم، وذلك من أجل إختيار أفضل المؤهلين بشكل دقيق وصارم، وللحصول على فرص أفضل فى فحص خلفياتهم وإتصالاتهم بجهات أجنبية، وهل لهم سوابق للسفر أو الإقامة فى الخارج أم لا؟ كما تركز وزارة أمن الدولة الصينية بشدة على إتقان موظفيها للغات الأجنبية، وتدير (مدرسة مكثفة لتعليم اللغات الأجنبية للضباط)، هذا بخلاف وضعهم لفترة طويلة تحت رقابة قسم خاص للأمن الداخلى يعرف ب (المكتب التاسع)، والذى تكمن وظيفته الرئيسية هى (مراقبة ومتابعة كافة العاملين والمجندين داخل وزارة أمن الدولة الصينية).

وتأتى على رأس الهيئات الحكومية التى تمارس النشاط الإستخباراتى بشكل غير رسمى فى الصين، هى: (إدارة الدفاع الوطنى لشؤون العلوم والتكنولوجيا والصناعة)، والمعروفة فى الصين وعالمياً، بإسم “إدارة ساستيند”، وهى شبيهة للغاية من عمل (وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتطورة)، والمعروفة بإسم “داربا” فى الولايات المتحدة الأمريكية، ونجد دور وكالة الأنباء الصينية “شينخوا” التى تتهمها دوماً واشنطن والغرب بأنها تعمل كغطاء لضباط ووكلاء الإستخبارات الصينيين، والتى تقوم بإعداد خلاصات سرية لصناع القرار فى بكين، وهناك أيضاً (مكتب شؤون الصينيين وراء البحار)، والذى يحتفظ بعلاقات مع المجتمعات الصينية فى الخارج والمغتربيين الصينيين، فضلاً عن دور (وزارة التعليم الصينية)، والتى تقوم بالمتابعة والتواصل مع كافة الطلاب الصينيين المغتربين، فكل تلك الهيئات والوزارات والوكالات الصينية توظف أتباعها لجمع المعلومات لصالح الحكومة الصينية.

يعد المكتب الرئيسى المسؤول عن تجنيد وفرز المختارين بعناية فى الصين لأنشطة التجسس، هو (مكتب الإتصال التابع لوزارة أمن الدولة فى مقاطعة فوتشو الصينية)، وهنا يتم تكليف كل ضابط ممن إجتازوا مراحل التعيين المختلفة بإدارة مجموعة من الوكلاء الذين يشار إليهم عادة بإسم (الأصول أو العناصر)، وهم ينتشرون فى جميع أنحاء العالم فى شبكة لا مركزية يديرها الضباط الأساسيون.

وبشكل عام وإحصائى يقترب من الدقة، يمكن تقدير عدد العناصر الصينية الموالية لجهاز أمن الدولة الصينية داخل الولايات المتحدة الأمريكية وحدها بمئات الآلاف من الأفراد أو الأصول، يعمل بعضهم بشكل دائم والبعض الآخر بشكل مؤقت، وهناك إحصاءات تؤكد بأن هناك أكثر من ١٧ مليون أمريكى من أصول آسيوية، منهم أربعة ملايين من أصول صينية، إضافة إلى شبكة هائلة من الشركات الوهمية وشركات الواجهة يبلغ عددها قرابة ثلاثة آلاف شركة… وكلهم يتبعون مباشرةً ويقعون تحت إشراف وزارة أمن الدولة الصينية.

وتتفاوت أساليب الإستخبارات الصينية فى تجنيد هذه العناصر، أما فى حالة الأصول الثمينة، أى تلك التى توفر المعلومات الإستخباراتية ذات الأهمية المرتفعة للصين، فغالباً ما تتم إضافة عدة إغراءات ومزايا إضافية لهم، ويطلق على بعضهم تعبير “أسماك قاع المحيط”، وهو مصطلح صينى مساو لمفهوم “الخلايا النائمة” فى الثقافة الإستخباراتية الغربية، وغالباً ما تتلقى هذه الأسماك تدريبات تصل لعدة أشهر أو سنوات داخل الصين، ويتم إستخدامهم بشكل رئيسى فى عملية جمع المعلومات وسد الثغرات فى شبكات التواصل، وأحياناً لنشر الشائعات فى البلد المضيف لهم. فلقد إحتفظت الإستخبارات الصينية بطابعها الخاص والمميز لعمليات التجسس هائلة العدد وواسعة الإنتشار التى لمست آثارها فى جميع أنحاء العالم.

وهنا يلاحظ مدى التطور والتعقيد الذى إكتسبته أجهزة الإستخبارات الصينية، والتى تتألف من مجموعة واسعة من الوكالات الإستخباراتية والإدارات العسكرية ومكاتب الشركات والأجهزة الحزبية، وحتى المؤسسات البحثية والجامعات ووسائل الإعلام، فجميعهم يخضع لهيكلين متوازيين من الرقابة، سواء من قبل الحكومة المركزية فى بكين، أو من قبل أجهزة إستخبارات الحزب الشيوعى الحاكم فى الصين، والذى تمتلك مؤسساته السلطة الفعلية فى البلاد على حساب الحكومة نفسها، وتقوم بالمهام التشغيلية والإدارية المختلفة.

ويعد أخطر مكتب عند وكالة المخابرات المركزية الأمريكية المستهدف من قبل الإستخبارات الصينية، هو جهاز (مكتب خدمة المعلومات الإذاعية الأجنبية)، والذى يضم قائمة كاملة من المعلومات الحساسة من قلب المخابرات المركزية الأمريكية والتى يجرى تمريرها أولاً بأول لبكين، ولعل أكثرها أهمية هى المعلومات المتعلقة بخطط البيت الأبيض وإدارته للتقارب أو الصراع مع الصين، وهى خطط منح تسريبها بكين موقفاً أعلى فى أى مفاوضات لاحقة مع الجانب الأمريكى.

ويبقى الشئ المدهش بالنسبة لى شخصياً، هو حظر زيارة الصين بالنسبة لكافة عملاؤها المجندين من المزروعين داخل وكالة الإستخبارات المركزية الأمريكية بالأخص، وذلك منذ بدء عملهم فى جهاز الإستخبارات المركزية الأمريكية، على أن تتم لقاءات مجندى الصين داخل أجهزة الإستخبارات الأمريكية مع الوكلاء الصينيين المشغلين لهم لإعطائهم الأوامر فى دول أخرى بعيداً عن الصين وواشنطن. مع العلم أن مدة تلك اللقاءات لا تستغرق سوى عدة دقائق على الأكثر لصعوبة ترصدهم وتعقبهم خلال تلك الدقائق والثوانى القليلة، والأهم من ذلك هو متابعة عملاء الإستخبارات الصينية لدى الأجهزة الأمريكية لتكليفاتهم التى تصل إليهم من الصين مع مسؤول إستخباراتى صينى واحد لا يتغير، بالشكل الذى قد يظل مع عملاؤه لمدة ٣٠ عاماً كاملة، وذلك من أجل الحفاظ على قنوات إتصال آمنة وضيقة وغير قابلة للرصد من قبل الأمريكان إلا بصعوبة بالغة.

وبشكل عام، تم تأسيس (وزارة أمن الدولة الصينية) والتى تعد بمثابة جهاز الإستخبارات الصينية الرئيسية فى عام ١٩٨٣، وذلك عبر الدمج بين (إدارة التحقيقات المركزية مع وحدات التجسس فى وزارة الأمن العام)، لتتحول الوزارة فى نهاية المطاف إلى جهاز الإستخبارات المدنى الرئيسى للصين، وتنتظم تحتها جميع الهياكل الإستخباراتية الرسمية وغير الرسمية فى البلاد، بإستثناء الجيش الذى حافظ على جهازه الخاص للإستخبارات العسكرية، والخاضع لإشراف الحزب الشيوعى الصينى، وليس تحت السيطرة المباشرة للحكومة.

وقد وجه الرئيس الصينى الرفيق “شى جين بينغ” أجهزة إستخباراته للتوقف عن إستخدام موظفى السفارات لأغراض التجسس، والإعتماد بدلاً من ذلك على الصحفيين ورجال الأعمال، ضمن إستراتيجية كبرى عرفت بشعار “إخفاء السطوع وتغذية الغموض”، حيث رغب “شى جين بينغ” بتوسيع القدرات الإقتصادية والعسكرية لبلاده لتتمكن من مواكبة الغرب، ولكنه رغب فى ذلك، دون خوض الكثير من الحروب الخطابية وبشكل سرى قدر الإمكان.

ونجد هنا الطبيعة المميزة للعمل الإستخباراتى الصينى الذي لا يعتمد فقط على تجنيد العملاء المؤثرين للحصول على معلومات مباشرة وحساسة، بقدر ما يعتمد على إغراق أجهزة الاستخبارات ومكافحة التجسس الخصمة والعدو بالآلآف من عمليات التجسس صغيرة الحجم والنطاق التي يبدو الكثير منها غير ذى قيمة، فيما يكمن المنتج الصينى النهائى غالباً فى مجموع ما يتم إستخلاصه من تلك العمليات البطيئة والمعقدة، والتى تعكس السمات البشرية التقليدية للصينيين المشتهرين بالصبر والمثابرة والعمل الدؤوب.

ويمكننا فهم هذه الطريقة الصينية من العمل الجماعى والصغير المقسم لمجموعات للحصول على المعلومات، فى الأعراف الإجتماعية الصينية، وتحديداً فى تقليد “غوانسكى” الصينى المعروف، والذى يعنى بإستغلال شبكات العلاقات الشخصية البطيئة والقوية للتأثير على الأحداث، وهو عرف تم تطويره ونقله إلى الأعمال والإقتصاد الصينى، ولاحقاً إلى مجال الإستخبارات على المستوى الهيکلى والتقنى، فى الوقت الذى كانت فيه صناعة الإستخبارات وحرب العقول وجمع المعلومات بوتيرة سريعة بالنسبة للصين، بالنظر لكثافة مجموعات العمل الإستخباراتية للصينيين.

وقد إكتسبت ثقافة الإستخبارات وجمع المعلومات أهمية هائلة لدى الصينيين، ونهجهم الخاص فى الحصول على المعلومات، والذى ظل دوماً بعيداً عن المنطق العام وحاملاً لبصمتها الخاصة، وغالباً ما كان يتم عبر مزيج من ثلاث طرق رئيسة: الأولى: هى ما يعرف بالأمواج البشرية، حيث تستغل بكين أصولها البشرية الضخمة لتجنيد آلاف الصينيين لجمع كميات هائلة من المعلومات، أما الثانية: هى التجنيد والإعتماد على خدمات الملايين من ذوى الأصول الصينية فى جميع بلدان العالم وإستخلاص المعلومات منهم بشكل دورى للوصول إلى مستويات أعمق من التحليل الشبكى للبيانات الهائلة المكتسبة، أما الطريقة الثالثة: فهى زراعة الوكلاء الأجانب ببطء وصبر من أجل القيام بعمليات تجسسية نشطة على المدى الطويل.

ومن خلال تحليلى الإستخباراتى المشار إليه، يمكننا فهم أن عمليات التجسس الصينية على الجانب الأمريكى، قد أحدثت صدى كبيراً فى المجتمع الإستخباراتى الأمريكى، وسلطت الضوء ليس فقط على الجولات المستمرة من الصراع الإستخباراتى المكتوم بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، والذى لا تزال فصوله ممتدة إلى اليوم، ولكن أيضاً على التقاليد والتكتيكات غير المألوفة لأجهزة الإستخبارات الصينية، إحدى أكثر أجهزة المخابرات فى العالم كفاءة وتعقيداً، وربما أقلها شهرة وصيتاً ودراية وعدم إلمام بأساليب عملهم المعقدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى