برنامج معكم شكران حسين:لمياء المجيد أيقونة الشعر التونسية
برنامج معكم شكران حسين:لمياء المجيد أيقونة الشعر التونسية

إعلامى: د.حاتم العنانى
البرنامج الدولى: معكم شكران حسين

فكرة وإعداد: د. حاتم العنانى

تقديم ومحاورة: شكران حسين

إخراج: أ. مروة حسين

تصميم وجرافك: أ. روضة الجبالى

حلقة: حوار مع الأديبة الشاعرة التونسية / لمياء المجيد

استضافة معالى السفيرة الأديبة الشاعرة التونسية / لمياء المجيد فى البرنامج الدولى: معكم شكران حسين.

معالى السفيرة / لمياء المجيد ضيفة ونجمة البرنامج. مساء يوم الثلاثاء الموافق 29 – 11 – 2022 م فى تمام الساعة العاشرة بالتوقيت المصرى

أديبة مبدعة بمثابة جامعة ثقافية – لديها ثلاثية : (فنية – فكرية – فلسفيةٍ)، حصاد إرث للحضارة التونسية، ذات أسلوب مميز بحضورها الأدبى. تحلم من خلال إنجازاتها الأدبية أن تحلق إلى فضاء واسع سيعاً لتحقيق جملة من الطموحات والآمال التي تسيطر عليها. وهى بالفعل اسماً مرموقاً فاعلاً وسط الحركة الثقافية

نص الحوار:
س1: هل تتفضّلين بتعريف نفسك ؟
ج: لمياء المجيد، شاعرة من تونس. زاولت تعليمي الإبتدائي و الثّانوي بقليبية . تحصّلت على باكالوريا آداب ثمّ خرّيجة المعاهد العليا لتكوين المعلّمين، أعمل حاليّا أستاذة فوق الرّتبة مميّز.
أعشق اللّغة و أهوى الكتابة و الرّسم و الفنون اليدويّة، أحبّ الموسيقى الرّاقية و ممارسة الرّياضة.

س2: اِحك عن نفسك و عن بداياتك، و من ساعدك على تنمية موهبتك ؟ و كيف أصبحت أديبة شاعرة ؟
ج: لم أعش طفولتي كسائر الفتيات باللّعب و الدُّمى. لعبت مع إخوتي الأولاد لعبة النّرد و الشّطرنج و تركيب الكلمات بالحروف “.scrables” و البحث عن معانيها بالقاموس
و بحُكم موقع منزلنا المُطلّ على البحر،لعبت بحبّات الرّمل، كتبت و رسمت على رمال الذّهب، لعبت الكرّ و الفرّ مع الموج، لعبت الكرة الطّائرة على شاطئه، سبحت في عمقه، تأمّلت في عمق سحره و تماسّه مع الأفق لساعات، حدّثته و حدّثني…طالعت كتبا لا تُحصى على رماله منذ الصّغر.
أذكر طُرفة حدثت معي قبل تعلّم القراءة و الكتابة حين رافقت خالتي إلى المكتبة العموميّة؛ أخذت كتابا و بدأت أتصفّحه بتؤدةٍ متظاهرة بالقراءة أمام من حولي إلى أن جاءت مديرة المكتبة من خلفي و صحّحت لي مسك الكتاب الّذي كان مقلوبا أعلاهُ أسفله…أحسست ساعتها بخجلِ الصّغيرة الّتي افتُضِحَ أمرها.
في فصلي الثّالث من التّعليم أي في عمر التّسع سنوات كتبت قصّة و تفاجأت أنّ معلّمي نشرها بمجلّة المدرسة، كما أنّ إنتاجاتي الكتابيّة كانت دوما تُلاقي استحسانًا و تشجيعا من المعلّمين و الأساتذة. كما أنّه في عمر الثّماني سنوات، أي بداية من السّنة الثّانية كان معلّمي يطلب منّي أن أقرأ بدلاً عنه القراءة المثاليّة لنصّ أو قصيدة أو سورا قرآنيّة،
و تتالى الطّلب من أساتذتي أيضا بالمعهد و الجامعة، أضف إلى كوني وجدتُني في منزلٍ تُشجّعني فيه أمّي على الدّراسة و التفوّق و أبي الّذي سقاني رذاذ المطر؛ أدخلني مملكته مكتبة و كتب صفراء قديمة، تُزهرُ حين أتصفّحها، ألتهمُ معانيها…كان الكتاب لا يُفارق أبي في أوقات فراغه و كثيرًا ما كان يقترح عليَّ عناوين من مكتبته يُشوِّقُني لأطالعها.
مُقتطف من قصيدة:” مُطلقُ الأشياء” (حين حرّرتُ صمتي )
تُمسكُ اللّغةَ من التّلابيب
تسحب الغيْب
تُداعبُ الحروف
تلهو
تُمارسُ لذّتها الأولى
تتسلّق قامات الوجود
تخوض مغامرة مجنونة
تخلع ثوب القَداسة
و عصابة رُبطت على القلب
لِنشر العمى
و الرّتابة

س3: الأديبة الشّاعرة المميّزة لمياء المجيد، هل تتفضّلين بالإضاءة على أعمالك الأدبيّة ؟
ج: لي ثلاث مجاميع شعريّة وهي :
* حين حرّرتُ صمتي: عن دار زينب للنّشر 2017
* موجاتُ زفيري: عن دار زينب للنّشر 2018
* صخبُ الألوان: عن دار زينب للنّشر 2021
* رواية بِصددِ النّشر:
* رَتْق المَرايَا: عن دار زينب للنّشر 2023

س4: هل تكتبين لأنّك تريدين إرسال رسالة من خلال قصائدك أم هي طاقة تخرج منك على هيئة كلمات ؟
س4: الاثنان معا؛ تتخمّر فكرة تخرج على هيأة كلمات، يقع أخذُها بالدّرس و التّجريب، من حذف و إضافة و تجويد لِتكون رسالةً للمتلقّي…
إنْ لم يكن الشّاعر و الأديب الكاتب ذا رسالة و رُؤيةٍ فلا خيرَ فيما يكتب… سيُغرّدُ خارج السّرب… أو سيبقى في بُرجه العاجيّ.

س5: كيف تُؤثّر ضغوط الحياة عليك كأديبة ؟
ج5: ضغوط الحياة هيَ المَخاض، ليأتيَ الطَّلْقُ و عُسرُ الولادة… كلّ ضغطٍ – هو مَخاضٌ – و ولادةٌ لقصيدةٍ جديدة…كلّما اشتدّ الضّغطُ… كانت قصيدتي أبْهَى… (بالنّسبة لي على الأقلّ).
*رغم ضغوطات الحياة الاقتصاديّة و السّياسيّة و الثّقافيّة و الاجتماعيّة، فإنّها تؤثّر إيجابًا عليَّ كشاعرة و أديبة. كلّ الظّروف الّتي ذكرتُ تخلق نوعًا من التوتّر الجيّد و المُثمر و تحسين الأداء و القوّة لمجابهتها و ذلك بالكتابة الّتي أستلهمها ممّا أعيشه و يُحوِّطُني داخل المجتمع و خارجه… و من الحياة الشّائكة الّتي نعيشها في فوْضى العالم…
أَسُوقُ هنا مثلا قصيدة ” قُدَّاسُ الحُزن ” (صخب الألوان)
(للنّساء الكادحات و رحمة على اللّواتي لقينَ حتفهنّ جريًا وراء لقمة العيش و حياة كريمة تحفظ ماء الوجه.
و غيرهنّ يسْتثري من عرق جبينهنّ و كدّ ساعدهنّ ) :
هُنّ الهلالُ
هنّ الشّمس، هنّ الغزال
هنّ غَنَجٌ يسْبِي
عند العهودِ و المَواثيقِ
هنّ الرّجالُ
هنّ همسُ الهواء
ترنيمة السّواقي
تنهيدة النّار
رائحة الخبز
دمعة السّماء
هنّ ابتسامة السّنابل
ثغْرُ الأزاهر
رقص البلابل
لآلئ الآلهة
تُضيء المساء
هنّ الحَبَالى، الثّكالى
على أرض الجذور الشّريدة
بين وقْعِ صدى الكلمات الكئيبة
حقول الأماني
جبال الرّكام
تُغنّين الحياة انبثاقًا
من غبراء السّديم
سُهدِ اللّيالي
هنّ تباريحُ الفَقْدِ
يختنقنَ بالدّمع
عند العَوَزِ،
جوعِ الولَدِ
ينتفي عندهنّ انتماءٌ إلى البلدِ
هنّ يَعبُبْنَ المُرَّ و العَجْرَمَ
مُعلَّقات في مَهَبِّ الخوف
في رحلات العذاب
يُدمنَّ القيامَ فجرَ القصيدة
تُصرِّفُهُنَّ المفاتيحُ
خارج دستور الوطن
هنّ أسْفلْتُ الشّوارع
حطب المواقد
الأحمرُ يسيلُ
حين تنعدمُ ألوانُ المزارع
نذرنَ للرّحمان صومًا
عن الوجود أبديّا
تركنَ أهلًا في الدّيار
يذرفون الدّمعَ شجيّا
منَ الحلمِ السّاكنِ في قرار الوردة
من الطّين المُضمَّخِ بالفجيعة
من الحبّ المُتْرَعِ حزنا و دمعا
هديرٌ عاصفٌ
يأتي على العَفن
يقصفُ موتَ الماضي
في الآتي من الزّمن
بين الصّدى … و النّداء…
ننامُ كثيرا
نستيقظ على إيقاع الرّهبة
عزف اللّوعة
نعود نغنّي
نغنّي قليلًا
مع كلّ إيقاعٍ ج
ديدٍ و لَحنِ
نُقيمُ من الحزنِ قُدَّاسًا
مَرفوعًا إلى الوطن،
السّاكنِ في تُخُومِ الظُّلمِ
مُرفْرِفًا وِشاحًا
مَقَامَ العَلَم
ماتت القافية
لأنّنا بِلا ذاكرة
بِلا ذاكرة.

س6: ماهي الإنسانيّة حسب وجهة نظرك ؟
ج6: هي ضدّ الحيوانيّة أو البهيميّة، وهي الصّفات الّتي تميّز الجنس البشري عن غيره، هي الأخلاق و الواجب. هي كائن جماعيّ يتطوّر مع الزّمن… و يرتبط بقيمٍ كونيّة كالإحسان و الإيثار و الاحترام و التّعاطف و الأخوّة و قبول الآخر و التّفاهم و غيرها… و الّتي تُعتبَرُ مجموعة من الالتزامات الأخلاقيّة الّتي تُرشد الإنسان إلى كيفيّة التّعامل مع بني جنسه ليعيشوا بآنسجام…كما أنّها تُعزّزُ القيم الأخلاقيّة لدى الفرد مثل العدالة و النّزاهة، و ترفض العنف
و الجرائم في حقّ الإنسان… و قد ارتبطت بالعديد من المفاهيم المعاصرة مثل حقوق الإنسان و التّنمية و الأمن البشريّ…و تُعدُّ مصدرا مهمّا للقانون الدّولي.
*قصيدة:” لولا فسحة الهواء”؛ (ذات لِقاءٍ و حديثٍ مع شابّ من سِيرَالْيُونِي : دولة على السّاحل الجنوبي لِغربِ إفريقيا)
لَوْلَا فُسحةُ الهواء
في لوْنِ الزّيتونِ
هُوَ
يتلحّفُ لونه
و شهادة تخرّجه
يغوصُ في الصّحاري
بين سهامِ الشّمس
نِقابِ القمر
يَعتلي ضُعفه
و ضُعف من ترك خلفه
من قوافل الباقين
بِقسْوة…
تحت أيادي الشّتاءِ المُمْتدِّ…
يَثُورُ الشّامخُ فيهِ
يَصَّاعدُ عزْم
يدوسُ الضّاحكين لَوْنَه
اللّاسعينَ بِسِياطِ الكَلِمِ
تَنْفَذُ حتّى العَظْمِ
في مُدُنِ رافعي شِعارِ” أسنانِ المشطِ “
حتّى لا يُلَحَّدَ بِلَحْفِ الرّملِ المُتصحِّرِ
أوْ يُكَفَّنَ بِظلمِ التّقوى
و رايةً سوداءَ عند الحدود،
يُهَجَّرْ…
هُوَ ذا … يقفُ هُنَا
ينْقُرُ بِكُحْلِ السّاعدِ في الصّخرِ
يَسَّاقَطُ بعضُ الدُّرِّ
بعضٌ لِلدّمِ…
يجري في العِرْقِ
بالقارّةِ السّمراء
لِأمٍّ حنون
لِأبٍ يشرحُ صدرَه
لِسنابِلَ تُبْرِقُ فيهمُ العُيُونْ
تتماوجُ مع رحيق فصلهِ القادمْ
شجِيَّةَ النّغَمْ
و بعضٌ لِلأمل
يشُقُّ الماء
حلمٌ وراء الفَيْرُوزي الأزرق.

س7: ماهي الأفكار و القيم و المبادئ الّتي تحملينها و تؤمنين بها و تدافعين عنها؟
و ماهي الرّسالة الّتي ترغبين في إيصالها للآخرين من خلال أعمالك الأدبيّة ؟
ج7: الحبّ و كلّ ما ذكرته آنِفًا فيما يخصّ القيمَ الإنسانيّة من احترام و عدالة و أخوّة و نزاهة… و نبْذٌ لكلّ أنواع الجرائم و العنف و الإرهاب…
أؤمن بِحبٍّ يجمع العالم و يُوحِّدُهُ دونَ نظرٍ لِلوْنٍ و جنسٍ و لغةٍ و دينٍ…
قصيدة ” الحبّ مُطلقًا ” ( و قد ترجمتها للفرنسيّة و الإنقليزيّة ) 
أَدِينُ بالحبّ
الحبّ ديني
الحبّ إيماني
أيُّ عاقلٍ ليس بالحبّ مجنون
دعني أكن العذريّة في الحبّ
أكن المفتونا
أتمرّغ بين كلمات العشق
أنتشي في معاني الحبّ
أتنفّس روعة عطره
الجَنانُ حديقة زهور للمحبّين
لا فرق بين أعجميّ…
زنجيّ…أو عربيّ…
أو من اتّخذ من الكتب
توراة…إنجيلا… و قرآنا…
في الحبّ يتساوى
القاصي و الدّاني
أَدينُ بحبٍّ صِرْفٍ
بِحبٍّ ليس له مساحيق
مَرَاسٍ…
و شُطْآنُ…
قلبٌ مُعافى
قلبٌ ينبضُ بالحبّ
*الرّسالة : أكتب لِ :
* لِأمسَّ واقع حالِ النّاس
* لِأُثيرَ غريزة أسئلتهم
* لِأضعَ بعض العزاء لهمومٍ تراكمت فيهم جَرّاءَ ما يحصلُ حولهم و يتواصل و يتطوّر…
* لِأُعرّي و أُميطَ اللّثامَ و أكشف نقدًا و سُخريةً، توِريةً و تعْريةً
عسى يتغيّرُ شيءٌ الآن …أو بعد حين…
* لِأُحاربَ آفاتٍ آجتماعيّةٍ تتفاقمُ و تتفاقمُ.

س8: ما الصّفات الواجب توافرها في من يحمل الحقيبة الأدبيّة في رأيك ؟
ج8: الأديب و الشّاعر هو فيلسوفٌ يُقارِعُ خفايا الدّنيا و خبايا الزّمن، يبحث عن الهويّة، و يَلِجُ المسكوت عنه، و يُنطقُ الأكْمَهَ و الأعرجَ، و يستكشف أحْراشَ الرّوح و العقل و القلب، و يحفر في دواخلهم… لِذَا يجب أن يكون مرتبطا بالمجتمع، صاحب فكرٍ تطوّريّ، يأخذ بالمجتمع نحو الأفضل، مهتمّ بِقضايا الوطن و الإنسانيّة و إلّا سَيُغرّدُ وحدهُ
و لا من يسمعُ صدى الصّوت.

س9: لوْ تخيّلت نفسك أمام مرآة التّجربة، فما رأيك في تجربتك الأدبيّة ؟
ج9: بكل بساطة أقول مازلت أُجرّب، فتجربتي صغيرة جدّا، و لن أُبوِّأَ نفسي مكانةً معيّنة. مازلت أعتبر نفسي أَحبُو في سلّم اللّغة الّتي هي عشقي… و أصْبُو إلى احتضانها بكلّ ما في سُمُوِّ الاحتضان من معنى حتّى تَلِينَ لي حروفها، كلماتها و معانيها.
في هذا الإطار أسوقُ قصيدة: ” أُنشودةُ موجةٍ خالدة ” (صخب الألوان)
مازلتُ أرسُمُني
طريقًا يَعبُرُني
أطولَ من فصولِ ربيعي
أوْسعَ من عمرِ ألواني
أزرقَ سماويًّا
للهاربين من حبّاتِ المطر
بِكُحْلي أرسُمُني
أجنحةً للسّماء
أسْتردُّ عِطرَ الآلهة
و أعزفُ سنفونيّةَ المساء
مِنْ إشباعِ الفتْحِ في السّرابِ
مِنْ تضفيرِ الجراحِ
أعودُ
أمُرُّ على الموتِ
يصيرُ أغنيةً
مِنْ أمطارِ ظَمئي
منْ حُمّى الصّقيعِ
منْ صمتِ نشيجي
منْ وجهي يضيعُ
أشلاءً بين التّجاعيدِ
أنْحَتُني تمثالًا
منْ دمعِ الحياة
باسمِ كلِّ الطّيورِ
كلّ الفراشاتِ
الّتي رحلتْ، و ترحلُ إلى السّماء
مازلتُ على قَيْدِ الشِّعرِ
أمتازُ عليك بِتحريرِ صمتي
بِصَخَبِ ألواني
بِانفعالاتي
بِزفيرِ موْجاتي
كَقطْرةِ النّدى
على ضفائرِ الشّمس
أجيءُ حافيةً على الماء
يومَ تَنْسَدِلُ ستائرُ النِّسيان
على ذاكرةِ الأحياء

س10: إهداء تودّين تقديمه لشخص؟ من يكون الشّخص؟ و ماهو الإهداء؟
ج10: إلى روح أبي؛ سقاني رذاذ المطر المطر – علّمني الصّدق، علّمني عشق الكتاب – أدخلني مملكته؛ مكتبة و كتب صفراء قديمة، تُزهرُ حين أتصفّحها، ألتهمُ معانيها.
إلى أمّي؛ علّمتني الصّبر – أعطتني قلمًاً و مسكتْ بيدي، علّمتني الرّسمَ بالحروف و بالألوان.
إلى معلّمين و أساتذة بالمدرسة و المعهد و الجامعة، صقلوا موهبتي و شجّعوني.
إلى الصّحفيّ و النّاقد و الشّاعر محمّد بن رجب الّذي احتضن تجربتي و شجّعني للبروز و الظهور؛ صديقًا رائعًا.
لكلّ هؤلاء و آخرون؛ سلالُ محبّةٍ و باقاتُ عرفانٍ و بحرُ كلماتٍ لا تنتهي – لِأكونَ أنا هنا و الآن معكم و بينكم.

س11: حدّثينا عن طموحك؟ و ماذا سيكون برنامجك لِتنمية العقول و المواهب؟
ج11: أطمح أن أكتبَ ما لمْ يُكتَبْ بعدُ بكلّ جُرأة و دون مكبِّلات و ممنوعات…
أطمح و أحلم بأدبٍ عربيّ للخاصّة و العامّة؛ فالعامّةُ هُمُ السَّوادُ الأعظمُ، و هم مِقْياسُ رُقيِّ الأمم و انحطاطها…*
بالأدب أطمح لِمحاربةِ الآفات الاجتماعيّة و الأفكار الظّلاميّة و إنارة العقول…*
*أطمح أن أكتب أكثر… و أن يجد الأديب من يسمع صدى حروفه من القُرّاء و من المسؤولين لتغيير واقعٍ نريده أفضل…
أن يعود للكتاب بريقُه و الإقبال عليه.*
*أطمح أن يجتمع السّياسي و المُثقّف، العقليّ و الفكريّ… لِصُنع الفارق و البحث عن صيغةٍ جديدة لكثيرٍ من الإشكاليّات الغامضة و صنع الإجابات لجُملةٍ من الأسئلة العالقة…
قصيدة ” منحوتة ” (حين حرّرت صمتي):*
تُجمّعُ الذّات المُبعثَرة
ترتدي ” الأنا “
تُطرِّزُها باقات أشعار
سلال أحلام…
تمتطي صهوةَ الدّهشة
تُغادر فوضى المكان
تُسافرُ في الصّمتِ المُقنَّع
تبحث في الأفق، في الخلجان
عن دروبٍ عذراء
لم تطأْها القصيدة
و لا عصى الكلمات…
تُفجّرُ مخبر كيمياء اللّغة
تُحدثُ المزيج
تحرّك السّاكن
تُفجِّرُ العِبارة…
تثورُ على كونٍ مصبوغٍ بِسوادٍ قاتم
على الحقيقة… ضائعة،
تُقلقُها
تنفلتُ من عُقالِ الإرثِ…
عقيم
تنسفُ الغبارَ عن وجهِ القمر
تنحتُ في الكيان بِإزميل
أشباهًا…
ليست للآخرين
*بِحُكم أنّي أعمل في ميدان التّدريس، فقد سعيْتُ منذ بداياتي أن أنمّي الفكر و أحُثُّ على التأمّل و البحثِ و إعمال العقل و البحث عن المواهب في شتّى المجالات ( غناء، رسم، رقص، كتابة، مسرح و تمثيل…) لِاحتوائها
و تشجيعها و توجيهها فيما بعدُ لِنوادٍ مختصّة في المجال. لم يقتصر دوري على التّدريس فقط.

س12: في مقدّمة كتاب ” العقد الاجتماعي ” ، يقول جان جاك روسو : ” وُلدَ الإنسان حرّا و مع ذلك فهو بالقُيُودِ في كلّ مكان ” ، فما هو مفهوم الحريّة في ظلّ القَيْد من خلال أفكارك ؟
ج12: وُلِدَ الإنسان حرّا، أجل. كحريّته في القول و إبداء وُجهات النّظر و اختيار مكان العيش و العمل و ما شابهَ. الكلُّ يطمح لأن يكون بلده أو أرضه مستقلّة و شعبه حرّا في اتّخاذ القرارات بعيدًا عن الإكراه. لكنّ الحريّة تبقى دومًا نسبيّة، لأنّ الحريّة المُطلقة تُولِّدُ الفوضى و الهمجيّة و تغوُّلِ قانون الغاب… و هنا أقصد القوانين و الدّساتير هيَ القيودُ الّتي تنظّم حياة الأفراد و الجماعات إذْ ” تنتهي حريّتي حيث تبدأ حريّة غيري ” ، لذلك فالحريّة مشروطةٌ.
قصيدة ” أحرّرُ صمتي ” (حرّرت صمتي):*
حرّرتُ موجي
برقًا و رعدًا…
القمرُ الّذي قيّدتهُ في الوَتد
غابَ…
و ها أنت تبحثُ في المرايا
عن انعكاس النّجومِ
تلقُفُ التّرابَ
تغلِّفُ صوتك بالشّقوقِ
ماذا وجدت ؟
غير بقايا العابرين
و قِفافًا من أنين
كأنّك تلعنُ ذاك الرّماد
و تغادر…
أغادرُ طيفك
و أمضي…
أحرّر صمتي…
من طريقٍ عابثٍ
سَأُولدُ يومًا
بِلوْنِ القصيدِ
و أصبُو إلى قِلاصِ النّخيلِ الصَّبورِ
اُنظُرْ…
إنّني أنت
نبحثُ في رُؤانا
عن كلامٍ يحتوينا

س13: ماذا يعني الوطن بالنّسبة لك ؟
ج13: الوطن – هي الأرضُ – دون حدود. – دون جوازات سفر….*
هذا هو الوطن الّذي أحلم به.
مقطعان من قصيدة ” عُكاظيّة و وَمْضُ الألوان…” ( صخب الألوان )
°يبني الدّهشَةَ
منْ فتيلِ الوطنْ
يحشُو ماءَ اللّغاتِ
منْ نهرِ دَمْ
بحرُ الذِّمامِ
يُخْصيه النُّونُ الأَصَمّْ
°كلماتٌ تُراوِغُ الكلمات
زادُوا في الوطنِ صوْمًا
كمْ يبعونَ اللّغات
*مقطع من قصيدة ” الأرض… قصيدة…” ( صخب الألوان )
اللّيلةُ شديدة السّوادِ ظلْماء
متى يَغزرُ المطر ؟
ينزل الشّتاء ؟
الأرضُ تنتحِبْ
الغصونُ يُكسِّرُها الغضبْ
فتحاتٌ، تعرُّجاتٌ، آلاف الحدودْ
و مَوْهوبوُنَ بِحشْوِ الشّقوقْ
خنقِ الأماني
ملء الخدود
*مقطع من قصيدة ” الأرضُ تَشرَقُ ” (صخب الألوان ) :
دُخانٌ بِلونِ اللّيلِ
ينثُرُهُ البُغاةُ
يُعْمي السَّنَا
اللُّجيْنُ رقراقٌ طَرِبُ
كَدّرُوا صَفْوهُ
غيّروا لونهُ
و جِيءَ بِمَنْ يُؤبِّنُهُ
أرضٌ كَمَا الكَوْمَاء
تتخضّبُ بالحنّاء
تطلُبُه من عديمِ السَّنَاء
يُعَفِّرُ أَدِيمَها، الشّطآنَ و الميناء
الأرضُ ثَكْلى
الأرضُ رَزْحَى
مِنْ فَقْدِ الحبِّ تَهِنُ.

س14- ماذا يعني لك العمر ؟ هل هو مجرّد أرقام ؟ أمْ ماذا ؟
ج14: العمر مجرّد رقمٍ أحْتسِبُهُ انطلاقًا ممّا هو مُسجَّلٌ في بطاقة الميلاد.
العمر مهما طالَ أوْ قَصُرَ أحتسبُهُ بِمقدارِ ما يُسهِمُ به الفردُ لهذا العالم و للإنسانيّة من إنجازات و أعمالٍ…
قصيدة ” الحياةُ على أرضِ المعنى ” ( صخب الألوان ):*
أيُّها المُسافرُ في قطار الزّمن
أَطلِقِ الوَجْدَ في أشرعتي،
رياحًا
حُلْمَ ليلةِ صيف
تِرْحالًا
في الصّحاري
تَجلِدُها الشّمس
تُبدّدُ أنهارَ صقيعي
تَوَلَّدَ من تاريخي المَحرورْ…
حتّى يُصفّقَ الهمسُ
صخبًا في فؤادي
فأعلو
روحًا مُضيئًا
أُحدِّقُ في وجه الشّمس
أشقُّ صَدَفةَ الدّنيا
أنتزعُ النّجوم
أُصفِّفُها في سَمْطٍ منْ لُجَيْن
مِسْبحةً… عِقْدًا
ثمانية و عشرينَ… تتكرّر
بهَا تطْوَافِي
و أبَديَّتي.

س15: من هي أبرز شخصيّة التقيت بها ؟ و لماذا ؟
ج15: لا أسعى وراء المشاهير للتقرّب منهم و التقاط صورٍ معهم، و إن حدث ذلك فالصّدفة أو اللّحظة حتّمت ذلك،
( أذكر مرّة منْ بابِ الطُّرفة؛ أحد الأسماء البارزة عندنا في الوسط الثقافي، طلب منّي و مَن معي أن نقترب من الوزير حتّى تُلتقط لنا الصّورُ مع سيادته و عدساتُ الكاميرا ليرانا المشاهدون على شاشات التّلفاز…فابتعدت
و تركت لهم المجال فسيحًا يظهرون كما يشاؤون…). ليس هناك شخصيّة محدّدة…فكلّ شخص و إن كان بسيطا- و أقصدُ أنّه ليس شخصيّة بارزة و مرموقة – و تعلّمت منه و حصُلت إضافة لِمَعَارِفِي سواءٌ منها الثّقافيّة و الأدبيّة أو السّياسيّة أو الاجتماعيّة، فأنا مُمتنّةٌ لذلك الشّخص، لأنّه أضاف لي… و لوْ كان لقاءًا خاطِفًا و عابرًا.
في الكتب؛ التقيتُ عدّة شخصيّات بارزة و أقصد الشّعراء و الكتّاب الكبار و تعلّمت منهم الكثير.أُعجبت بكتاباتهم، و كثيرة هي النّصوص الّتي أبْهرتني، و تمنّيت دوما أن أصل إلى المستوى الرّفيع في كتاباتهم…قد تعجبني رواية لهذا الكاتب و أخرى لكاتب آخر، و قصيدة لهذا الشّاعر و أخرى لشاعر آخر.. بالأخير تأثّرت بنصوص تلكمُ الشّخصيّات، تأثّرت بكلّ نصّ متين و قصيدة جميلة يمكن أن تقدّم إضافةً.

س16: كيف تنظرين إلى المشهد الأدبي في العالم العربي في وقتنا الحالي ؟
ج16: إيقاع إنتاج الأدب و مستواه جيّد و في حالة تطوّر و ارتقاء و يُعطي انطباعا حسنا يدفع للتّفاؤل، و في الجهة الأخرى، نجد الرّداءة أيضا رغم أنّ هذه المرحلة أو الوقت الحالي يتّسم بِفوضى المفاهيم و الأشكال و القِيَمِ،
و بالعديد من أَوجُهِ الفساد الثّقافي المعرفي المُرتبط بالفساد السّياسي. و هذان الشّكلان من الفساد يتصارعان مع رغبات و طموحات و مَسَاعي العديد من النُّخَبِ الّتي تُعاني الأمرّيْن في مواجهةٍ غير متكافئة مع كلّ أسباب الفساد و الانحطاط و الرّداءة.
المشهد الأدبي العربي تنقصه التّرجمة و الانفتاح على اللّغات و العالم.
المثقّف دومًا يشكّل الخطر، لذا كان الأجدى إقْصاءُهُ و ظهور أشباه المثقّفين، ما يدفع المثقّف الحقيقي الغيور ينزوي و ينقم على الوضع و الرّداءة و أشباه المثقّفين و أشباه السّياسيّين في وسائل الإعلام و في المناسبات الكبرى و التّمثيل في دولٍ عربيّة على أساس المُحاباة و المجاملة، و نادرًا على أساس الجوْدة، فتُقدّم واجهةً بائسة للثّقافة العربيّة…و المثقّف عمومًا رغم ثراء الفكر، هو فقيرُ ذاتِ اليدِ لتكون له الانطلاقة و السّفر لتمثيل نفسه و بلده خارج الحدود، إن لم تدعمه سلطات الإشراف. حتّى اختيارات التّمثيل المعاكس من داخل هذه البلدان لا قيمة حقيقيّة له، فالصّور السّياحيّة الّتي تُقدَّمُ و مبالغات المديح و الصّور الفوتوغرافيّة للتملّق التّاريخي لن تخلق تواصلا حقيقيّا عميقا في إطار الـتّبادل الفنّي و الثّقافي السّامي.
قصيدة ” تراتيل ” ( حين حرّرت صمتي )
تضيق المُفردات
يتقلّص حجم الحروف و الكلمات
متى يكون المعنى
موْصولًا بِإشراقةِ شمس ؟
و ابتسامة
لِثغرٍ وليد ؟
القهرُ جارف
إلى متى تتلذّذين ؟
يا زمان الكلام
و الجَدَلِ العقيم
مُحَلِّلون…
أشباهَ المَحاليلْ
في مساءٍ ليليٍّ حزين
يُسامرونَ المَسَامع
كَمَا رَجْعِ الصّدى…
تموت الحروف في المسافات
في شدّ الرّحال للكلمات
يصُوغون حلما
بِقلَمِ العُزلة،
و حبر التّواطؤ
موْشومًا بالتّعب،
مشنوقًا يتدلّى
مَا هُوَ بِعارٍ…
و ما هُوَ بِلابسٍ…
غير الأكاذيب
فقدت جناحيّ
في حجمِ الأباطيل
و سفينتي غَدَتْ أشرعةً مُحطّمة
أقلعتْ عيوني عن التّرحال في الوجوه
عَلَّني أحُدُّ من سفر الذّاكرة
حيّروا وجعًا
أيقظوا حزنَ
آلاف السّنين
دقّوا أوْتادًا لِلقلق
قتلوا كلّ تراتيل الصّدق.

س17: ما هي أهمّ و أبرز التّكريمات الّتي نلتها ؟
ج17: نلت مجموعة من شهادات التّشجيع و الشّكر و التّقدير و التميّز و الأوسمة و الدّروع من :
البيت الثّقافي العراقي التّونسي، الملتقى الوطني لحوار الفنون، اتّحاد المثقّف العامّ العراقي، حملة الشّارة العراقيّة، الجمعيّة الدّوليّة للثّقافة و الفنون، اتّحاد السّلام العربي، خيمة الوطن العربي الثّقافيّة، الأكاديميّة الدّوليّة العربيّة للثّقافة و الأدب، مجلّة نجوم السّهر للشّعر و الإبداع اللّبنانيّة، مؤسّسة الوجدان الثّقافيّة، أكاديميّة السّلام في ألمانيا، الأكاديميّة السّوريّة الدّوليّة للعلوم و الثّقافة، جمعيّة نشامى الولاء و الانتماء، مؤسّسة وادي النّيل، الاتّحاد العامّ للأدباء و الكتّاب في العراق، اتّحاد الكتّاب التّونسيّين، دار الثّقافة بقليبية- تونس، المندوبيّة الجهويّة بنابل- تونس، مجالس همس الموج، مهرجان الشّعر بالقيروان، الاتّحاد التّونسي للصّناعة و التّجارة
و الصّناعات التّقليديّة، الملتقى العربي للإبداع بصفاقس، مهرجان المغاور للشّعر العربي، مهرجان هوارة الصّيفي،المنظّمة العالميّة للمبدعين بكندا، العُكاظيّة العربيّة للشّعر بالجزائر، صالون باروليتا للإبداع الأدبي، جمعيّة مراجعات ثقافيّة….
س18: هل من سؤال تضيفينه و تتفضّلين بالإجابة عليه؟
*هل ما تزال المرأة العربيّة- في مجتمع يتّسمُ بالذّكوريّة – بحاجةٍ إلى الرّمزيّة في أعمالها لِتُخفيَ شخصيّتها و تجاربها ؟

ج18: إنّ الوقت حان لِتتحرّر المرأة من كلّ قيود فكرها و المجتمع…بِمكبّلاته و موانعه و كلّ المسكوت عنه
و الظّهور أمام الملإِ و على الورق بشخصيّة تختلف و تتناقض مع المرأة الخانعة المُنكسرة، وتطلق العِنان لِصوتها و لغتها و قلمها بدل الوقوفِ وراء الحُجُبِ…
*قصيدة ” هل القدر محتوم ؟” (موجات زفيري):
هل القدرُ محتوم؟
مُسطَّر في لوح الأزل ؟
أن يَحْلَوْلَكَ حزنا ؟
أن تتذوّق قسرا ما لا ترغب ؟
أن تكونَ مارِقة
أن تسرق من الحقّ نورا
عسْجدًا
في اللّيل البَهيم
هل ذلك مقدّر ؟
هل ذلك محتوم ؟
*قصيدة ” سَتُخلَّدُ…” ( موجات زفيري )
تنظرُ في المرآة…
فلا ترى انعكاسها
ذلك الّذي يُحاصرونها به
صناديقُ الوَأْدِ
الّتي تَحجّرت أخشابُها
تُسبّحُ بالحضور… بالغياب…
وهي…
الموجةُ المُنكسرةُ
على ذرّات رمل توجُّسهم المرير…
ستُخلّدُ
اسمًا غائرًا
حكاية تُحفَرُ عميقا في الذّاكرة
سيكونُ لها أن تهدم الجدار
أن تُعيدَ رسم الحدود،
و المدن الّتي تُريد
تُدَوْزِنُ أوتار المعاني
تعزف به قيثارَ الزّمان
الّذي تقطّعت أوتاره
تاريخا للقادم
بِجغرافيا الارتقاء

س19: هل من كلمة أخيرة توجّهينها لِطاقم البرنامج ؟
*سُعدتُ بالزّمن الّذي قضّيناهُ معًا.
شكراً للأستاذ سفير الطّفولة د. حاتم العنانى على بهائه الدّائم.
شكراً للمخرجة مروة حسين.
شكراً للإعلاميّة الصّغيرة في السنّ و الكبيرة في عمق الأسئلة الّتي طرحتها و روعة إدارة الحوار. أراك تتألّقين حبيبتي.













