خداع النفس (1)

آفة عصرنا المظاهر

منذ أن بدأت الأزمة الاقتصادية في مصر، وتداعياتها على مستوى ارتفاع الأسعار، وعلى اختلاف رؤى وتوجهات المواطنين بشأن سياسات مواجهة تلك الأزمة، إلا أنه يُلاحظ اتجاه نسبة كبيرة من المارة في الشوارع، ومرتادي ومستخدمي وسائل المواصلات العامة والجماعية، بل وحتى أصحاب السيارات، ومن مختلف الأعمار إلى استخدام وسائل الذكر من حيث المسبحة التقليدية (الخرز) أو الإلكترونية على الهواتف الذكية، أو العداد صغيرة الحجم، بالإضافة إلى استمرار تلاوة القرآن الكريم من المصاحف الورقية، أو تطبيقات الهواتف الذكية، أو حتى من الذاكرة، في مشهد يدعو للتدبر باعتباره يدل على اللجوء إلى الله عز وجل لرفع الوباء والبلاء والغلاء، ولكن يظل السؤال: هل هذا هو المطلوب؟

إن المتتبع لبرامج الفتاوى المختلفة على قنوات التليفزيون العامة والخاصة، وعبر محطات الإذاعة، وطلبات الفتاوي على وسائل التواصل الاجتماعي المتعددة والمختلفة تشير إلى معاناة المجتمع بمختلف طبقاته وانتماءاته من مشكلات تتعلق بقطع الأرحام، والصراع على المواريث، وأكل مال اليتيم، واللجوء إلى السحر والشعوذة، بل إن الممارسات اليومية تُشير إلى تراجع شديد في الأخلاق العامة وشبه انقراض للعادات والتقاليد الخاصة باحترام الكبير والعطف على الصفير، والتعاون، والمعاملة الحسنة، ولا أعتقد في رأيي الشخصي أن هناك أي أسباب تُسوغ ذلك التردي الأخلاقي بما في ذلك الهموم التي يُعاني منها المواطن مما يجعل “خُلقُه ضيق”!.

هناك مقولة تُنسب للفيلسوف الكبير “أرسطو” تقول أن أسوأ أنواع الخداع هو خداع النفس، إن التعبد وقراءة القرآن والذكر المستمر لابد أن ينعكس إيجابًا، إذا كان صادقًا ونابعًا من القلب والروح، على الصحة النفسية والأخلاقية والجسدية للفرد وبالتالي للمجتمع، إلا أنه يبدو، وأنا هنا لا أقصد التعميم بأي حال من الأحوال، أنه أصبحت هناك حالة فصل، لدى العديد من الأشخاص، بين العبادات والمعاملات، وهو أمر لا يستقيم بأي حال من الأحوال مع المقاصد الحقيقية والتعاليم الجوهرية للدين الإسلامي والشريعة الإسلامية.

فعلى سبيل المثال، تجد شخصًا يقرأ القرآن الكريم أو يذكر الله على مسبحته، وأؤكد هنا عدم التعميم، إلا أنك بمجرد الدخول معه في أي نقاش أو تعامل مهما كان بسيطًا، تجده فظًا غليظ القلب، بما يتنافى تمامًا مع روحانية التلاوة والذكر اللذين يؤديان إلى لين القلب وحُسن الخلق والمجادلة بالتي هي أحسن وبالحكمة والموعظة الحسنة.

ومن ناحية أُخرى، وهو موقف حقيقي حدث بالفعل، تجد أحدهم ينتقد إحداهن بمنتهى الفجاجة والفظاظة بل والقسوة لأنها تمسك بمسبحة على الرغم من أنها ترتدي بنطالاً/ بنطلون! بل إنه انتقدها وأسرع بالمغادرة دون أن يتحلى بشجاعة المواجهة! وبالتالي يتكرر السؤال هل هذا هو المطلوب للنجاة من أزماتنا المختلفة؟ّ!

إن خداع النفس بالتقوى الظاهرية دون أن ينعكس ذلك في صلة للأرحام، ورحمة بين الأفراد، ورد الحقوق لأصحابها، لن يُزيد الأمر إلا سوءًا لأنه سيؤدي إلى مزيد من الانفصام على المستويين الفردي والمجتمعي، وسيجد بعض الأشخاص أنفسهم يتساءلون “لماذا تزداد صعوبة حياتي رغم أنني أتلو القرآن وأذكر الله كثيرًا؟!”، وأغلب الظن أنه سيعتقد أن كل ما أصابه إنما هو ابتلاء من الله عز وجل له أو أن الشيطان يعانده لأنه يُكثر من العبادات والطاعات.

 إملأوا القلوب بحب الله وتقواه، واذكروه بلا أعداد محددة أو أوراد مُلزمة، أي اجعلوا الله في قلوبكم وأرواحكم كي ينعكس ذلك على أخلاقكم وأفعالكم، ولا ننسى أن ذلك يشمل اتقان العمل والالتزام بالقوانين والحفاظ على الحقوق والواجبات، والتكافل والتعاضد، وجميعها أمور، للمفارقة، تجعلنا دومًا منبهرين بالدول المتقدمة في الغرب والشرق!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى