ما علي المضحي قبل أن يضحي .. بقلم / محمـــد الدكـــرورى

 

إن الحمد لله، نحمده ونستغفره ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، بعثه الله رحمة للعالمين هاديا ومبشرا ونذيرا، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة فجزاه الله خير ما جزى نبيا من أنبيائه، فصلوات ربي وتسليماته عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وعلى صحابته وآل بيته، وعلى من أحبهم إلى يوم الدين أما بعد،لقد قال الفضيل لرجل كم أتت عليك؟ قال ستون سنة، قال فأنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك تسير إلى ربك يوشك أن تبلغ، فقال الرجل فما الحيلة؟ قال يسيره، قال ما هي؟ قال تحسن فيما بقي يغفر لك ما قد مضى، فإنك إن أسأت فيما بقي أخذت بما مضى وبما بقي. 

وما هذه الأيام إلا مراحل يحث بها داعى إلى الموت قاصد، وأعجب شيء لو تأملت أنها منازل تطوى والمسافر قاعد، ولم يزل الليل والنهار سريعين في نقص الأعمار، وتقريب الآجال، يسار بنا إلى الموت في كل يوم وليلة، فلنحذر المقام بين يدي الله، وكان ابن عمر رضى الله عنهما يقول” خذ من صحتك لسقمك، ومن حياتك لموتك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل، وهو يعظه “اغتنم خمسا قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك، فالمبادرة المبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل أن يحال بيننا وبينها بفتن كقطع الليل المظلم، أو مرض، أو موت، بادروا بالأعمال قبل أن يأتي ما يقطعكم عنها، فإذا حيل بين الإنسان والعمل لم يبق إلا الحسرة، ولا تنفع الأماني والتحسف حينئذ، فاغتنم في الفراغ فضل ركوع. 

فعسى أن يكون موتك بغتة، فكم صحيح رأيت من غير سقم ذهبت نفسه الصحيحة فلته، وأما عن ما يجتنبه في العشر من أراد الأضحية، فإنه عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال “إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره حتى يضحي” وفي رواية ” فلا يمسّ من شعره وبشرته شيئا ” رواه مسلم، والحديث دليل على أنه إذا دخلت العشر وأراد الإنسان أن يضحي فإنه لا يأخذ من شعره ولا من أظفاره ولا من بشرته شيئا إلى أن يذبح أضحيته، فإن كان له أكثر من أضحية جاز له الأخذ بعد ذبح الأولى، ويعني ذلك إذا كنت تريد أن تضحي ودخلت عليك أول ليلة من ليالي العشر من ذي الحجة، فلا تأخذ من شعرك، ولا من أظفارك أي شيء، طيلة هذه العشر إلى أن تنحر. 

ولكن هل هذا النهي عن الأخذ على التحريم أم هو على الكراهة؟ وهو أنه قد ذهب أكثر العلماء إلى أنه على الكراهة، وليس على التحريم، فقالوا في معارض التعليل لكونه على الكراهة، إن الأضحية من أصلها ليست بواجبة فمتبوعاتها لا تجب، وهذا قول، وأظهر قول أهل العلم أن ذلك للتحريم، لأنه الأصل في النهي، فإن تعمّد وأخذ فعليه التوبة والاستغفار، ولا فدية عليه إجماعا، ولا يؤثر ذلك على أضحيته، فالرسول صلى الله عليه وسلم نهى نهيا صريحا عن الأخذ من الشعر والأظفار لمن أراد أن يضحي فكذلك فافعلوا وهذا النهي يخص صاحب الأضحية، لقوله” وأراد أن يضحي” فلا يعم الزوجة ولا الأولاد إذا أراد أن يشركهم معه في الثواب، ومن ضحى عن غيره بوصية أو وكالة فلا يحرم عليه أخذ شيء من شعره أو ظفره أو بشرته، لأن الأضحية ليست له. 

ومن أخذ من شعره المباح أخذه، أو ظفره أول العشر لعدم إرادته الأضحية ثم أرادها في أثناء العشر أمسك من حين الإرادة، ومن احتاج إلى أخذ شيء من ذلك لتضرره ببقائه كانكسار ظفر أو جرح عليه شعر يتعين أخذه فلا بأس، لأن المضحي ليس بأعظم من المحرم، الذي أبيح له الحلق إذا كان مريضا أو به أذى من رأسه، لكن المحرم عليه الفدية، والمضحي لا فدية عليه، أنه لا يجوز للمرأة أن توكل أحدا على أضحيتها لتأخذ من شعرها كما قد تفهمه بعض النساء لأن الحكم متعلق بالمضحي نفسه سواء وكّل غيره أم لا، وأما الوكيل فلا يتعلق به نهي، ولا حرج في غسل الرأس للرجل والمرأة أيام العشر، لأنه صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن الأخذ، ولأن المحرم أذن له أن يغسل رأسه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى