رحلة من الظلام إلى النور خاطرة من الكاتبة والأديبه تهاني عدس

خاطرة: رحلة من الظلام إلى النور
بقلم: تهاني عدس
هل يمكن اعتزال الأذى بكل اشكاله؟
وهل اعتزال الأذى يكون سهلًا في جميع الأحوال؟
من منا لم يتأذى في حياته! حقيقة لا يمكن إنكارها وهي أننا لا نعيش في المدينة الفاضلة، بل نسكن مدينة تضم بين حدودها المحتال و الاستغلالي والمنافق والنمام والخائن والحاقد وغيرهم من اللئام والأوغاد.
الأذى الذي يصدر من الغرباء ربما يكون أمره هين، يمكن نتخطاه بسرعة ونتعافى منه بسهولة، وذلك بهجر هؤلاء من قاموا بإيذائنا واعتزالهم.
و على النقيض، الأذى الصادر من الأقرباء أصعب بكثير من الغرباء، ووجع الانسلاخ عنهم كوجع اقتلاع الأظافر من لحم أصابع اليد بأداة تعذيب حادة.
و ذلك لأننا نظن بهم خيرًا ونثق بهم ثقة عمياء ولا نتوقع منهم الغدر ابدًا.
عندما نُؤذى من أقرباء يصبح أذاهم لنا جريمة لا تُغتفر، لأنهم يتركون غصة في القلب لا يمحوها الزمن و قد لا تطيب مع مرور الوقت.
فالسهم الذي يُطلق من مسافةٍ قريبة يُصيب في مقتل، قد يُحدث جُرحًا عميقًا يؤدي أحيانًا إلى الانهيار الكامل أو حتى الوفاة.
أثر تلك الجريمة لا يقف عند حد وقوع الأذى بالدرجةِ الأولى، بل يمتد ذلك الأثر بأن نتأذى منه مرة أخرى عندما نقبض على تلك الغُصة من مشاعر الغضب والحسرة والحزن والخوف والحيرة والقلق، ثم نأسر هذه الحزمة من المشاعر السلبية ونلقي بها خلف قضبان قلوبنا التي أصبحت مثل غرف السجون المظلمة.
تتجسد تلك المشاعر وتصير مثل نسورٍ سوداء، معصوبة العينين، بمخالب حادة و أنياب جارحة، تبحث عن فرصة لتتحرر من قيود الأسر وهي في حالة هياج شديد، فتتخبط بشكل عشوائي بين جدران أفئدتنا، وتظل تنهش فيها حتى تُحدث نزيفا لا ينضب، و لا تقوى العقاقير على علاجه.
نحمل كل هذا الألم في غياهب أفئدتنا، لا نجد وسيلة للفرار من تلك المعاناة إلّا بالانسلاخ عن سكان مدينتا القساة،
فنلتحف معاطف العزلة لنقاوم تشنجات حمى الخذلان، نخفي تحت خيوطها مشاعرنا البريئة تجاه من أحببناهم.
نترك كل من خذلونا خلف ظهورنا بعد أن تساقطوا من أجفاننا كما تتساقط الأوراق الجافة من فروع الشجر في فصل الخريف.
نرتدي أقنعة القسوة التي لا يستطيع أحد على اختراقها ، ثم نرحل و نهجر الجميع بعد أن مللنا المدينة وصخبها وسئمنا مهاترات أصحابها.
نظن بذلك بأننا اعتزلنا الأذى، لكن هل حقًا نجحنا؟
الحقيقة هي أننا ربما ننجح في الابتعاد عمن آذونا عمدًا، لكن لن نقدر على الخلاص من ذلك النزيف الذي يسيل على جدران قلوبنا حتى نتخلص من تلك النسور الجارحة التي حُبست في صدورنا رُغمًا عنها.
إذًا ما هي الطريقة للخلاص؟
الطريقة الوحيدة هي أن نفتح نوافذ في قلوبنا على جروحنا النازفة، نحطم تلك القضبان، ثم نطلق سراح النسور الحبيسة لتنطلق وترفرف بأجنحتها بعيدًا عنا، لربما صياد ماهر يكون بانتظارها يطلق عليها رصاص الرحمة فلا تؤذي أحدًا غيرنا.
دعونا ندع مشاعر الألم التي أظلمت قلوبنا طويلًا بأن تغادر وترحل بلا عودة،. دعونا نسمح للنور بأن يسطع في صدورنا و يتلألأ من جديد. دعونا نتجرد من معاطف العزلة الكئيبة و نعود مرة أخرى لمدينتنا، نبحث عمن يحبوننا بصدق ويبحثون عنا، لنفتح الغرف المضيئة بقلوبنا ونزينها لتستعد لاستقبال مشاعر الحب و التفاؤل والبهجة.
نحن حقًا تألمنا، لكننا تعلمنا.






