ومن أشقى ممن وكله الله إلى نفسه.. بقلم / محمـــد الدكـــروري

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضي وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله صلي الله وسلم وبارك عليه وعلي آله وأصحابه ومن اهتدي بهداهم إلي يوم الدين أما بعد يا عباد الله إذهبوا الى المقابر وأسألوا سكانها وصيحوا في واحد منهم يافلان ماغرك بالدنيا فقد تركتها أين بيتك الواسع وأين الثياب الرفيعة اين العطور الفارهة واين الجلد الرقيق والجسد الناعم وكيف أنت والهوام والديدان فقد خرقت الأكفان ومحت الألوان وأكلت اللحوم والبنان ونخرت العظم واليدان، فيا أخي المسلم هل رأيت القبور ؟ هل رأيت ظلمتها ؟ هل رأيت وحشتها ؟هل رأيت شدتها ؟ وهل رأيت ضيقها ؟ وهل رأيت عمقها؟ وهل رأيت هوامها وديدانها؟ ما علمت أنها أعدت لك كما اعدت لغيرك؟ أما رأيت أصحابك واحبابك وارحامك.
فقد نقلوا من القصور إلى القبور ومن ضياء المهود إلى ظلمه اللحود ومن ملاعبة الأهل والوالدان إلى مقاساة الهوام، والديدان ومن التنعم بالطعام والشارب إلى التمرغ في الثرى والتراب ومن أُنس العشرة إلى وحشة الوحدة ومن المضجع الوثير إلى المصرع الوبيل ؟ فأخذهم الموت على غرّة وسكنوا القبور بعد حياة الترف واللذة وتساووا جميعا بعد موتهم في تلك الحفرة فالله نسأل أن يجعل قبورنا روضة من رياض الجنة، فاعلموا يرحمكم الله إن من العبادات القلبية التي ندب إليها ديننا حسن الظن بالله، فما هو حسن الظن؟ وماذا فيه من فضل؟ وما مواطنه؟ وماذا يحمل عليه؟ وما الفرق بينه وبين الغرور؟ فما الذي يحمل على حسن الظن بالله؟ إنه قول الحق سبحانه وتعالي ” وكان بالمؤمنين رحيما ”
فيحمل على حسن الظن رحمة الله تعالي التي وسعت كل شيء، فيقول نبينا صلى الله عليه وسلم ” لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش إن رحمتي غلبت غضبي” رواه البخاري، ويأتي جبريل عليه السلام إلى نبينا المصطفي صلى الله عليه وسلم فيقول “لما أغرق الله فرعون قال “آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل” فلو رأيتني يا محمد وأنا آخذ من حال البحر فأدسّه في فيه مخافة أن تدركه رحمة الله” رواه الترمذي، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ” إن حسن الظن بالله تعالى من حسن العبادة” رواه أبو داود والترمذي، وأن من أحسن ظنه بالله آتاه الله إياه، فقد ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال، قال النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي” متفق عليه.
وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم ” إن الله عز وجل قال أنا عند ظن عبدي بي، إن ظن بي خيرا فله، وإن ظن شرا فله ” والمعنى “أعامله على حسب ظنه بي، وأفعل به ما يتوقعه مني من خير أو شر” وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ” والذي لا إله غيره ما أُعطي عبد مؤمن شيئا خيرا من حسن الظن بالله عز وجل، والذي لا إله غيره لا يحسن عبد بالله عز وجل الظن إلا أعطاه الله عز وجل ظنه ذلك بأن الخير في يده” وقال سهل القطعي رحمه الله رأيت مالك بن دينار رحمه الله في منامي، فقلت يا أبا يحيى ليت شعري، ماذا قدمت به على الله عز وجل؟ قال قدمت بذنوب كثيرة، فمحاها عني حسن الظن بالله” وينبغي للمؤمن أن يحسن ظنه بالله في كل موطن وحال، فإنما نحن بالله، ولا حول ولا قوة لنا إلا به، ومن أشقى ممن وكله الله إلى نفسه؟ وأي هلاك ينتظره؟
ويتأكد حسن الظن بالله في مواطن منها عند الموت فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاثة أيام يقول ” لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل” رواه مسلم، ودخل واثلة بن الأسقع على أبي الأسود الجرشي في مرضه الذي مات فيه، فسلم عليه وجلس، فأخذ أبو الأسود يمين واثلة، فمسح بها على عينيه ووجهه، فقال له واثلة واحدة أسألك عنها، قال وما هي؟ قال كيف ظنك بربك؟ فأومأ أبو الأسود برأسه، أي حسن، فقال واثلة أبشر فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول “قال الله عز وجل أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء” رواه أحمد، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على شاب وهو في الموت.
فقال “كيف تجدك”؟ قال والله يا رسول الله إني أرجو الله، وإني أخاف ذنوبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف” رواه الترمذي.






