بكاء الوالدين من العقوق .. بقلم الكاتب / محمـــد الدكـــروري

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ثم أما بعد إن الوالداين بابان مفتوحان من الجنة، فقيل أنه، لما ماتت أم إياس بن معاوية بكى، فقيل ما يبكيك ؟ قال كان لي بابان مفتوحان من الجنة فأغلق أحدهما، وكما أن من المروءة البر بالوالدين، فسئل الأحنف عن المروءة فقال التفقه في الدين وبر الوالدين والصبر على النوائب، ومن حافظ على بر والديه فهو من الصديقين، حيث قال الحافظ ابن حجر رحمه الله، المحافظة على بر الوالدين أمر لازم متكرر دائم لا يصبر على مراقبة أمر الله فيه إلا الصديقون، ومهما بالغ الابن في بر والديه فلن يفي بشكرهما، حيث قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله.
ليعلم البار بالوالدين أنه مهما بالغ في برهما لم يفي بشكرهما، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال “لا أعلم عملا أقرب إلى الله عز وجل من بر الوالدة ” رواه البخاري، وروي عن الحسن البصري أنه سُئل ما بر الوالدين؟ قال ” أن تبذل لهما ما ملكت، وأن تطيعهما فيما أمراك به، إلا أن تكون معصية ” وعن طيسلة بن مياس قال، قال لي ابن عمر أتفرق النار وتحب أن تدخل الجنة؟ قلت إي والله، قال أحيّ والدك؟ قلت عندي أمي، قال فوالله لو ألنت لها الكلام، وأطعمتها الطعام، لتدخلن الجنة ما اجتنبت الكبائر” رواه البخاري، وروي عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال ” بكاء الوالدين من العقوق ” وروي عن هشام بن عروة عن أبيه، أو غيره أن أبا هريرة رضي الله عنه أبصر رجلين، فقال لأحدهما ما هذا منك؟ فقال أبي، فقال لا تسمّه باسمه، ولا تمشي أمامه، ولا تجلس قبله ” رواه البخاري.
وقال لقمان الحكيم لابنه يا بني، من أرضى والديه فقد أرضى الرحمن، ومن أسخطهما فقد أسخط الرحمن” وكما قال لقمان لابنه يا بني، إن الوالدين باب من أبواب الجنة، إن رضيا عنك مضيت إلى الجنة، وإن سخطا حُجبت ” وقال عبدالعزيز السلمان رحمه الله من أقبح مظاهر عقوق الوالدين هو أن يتبرأ الولد من والديه حين يرتفع مستواه الإجتماعي عنهما، كأن يكون فلَّاحين، أو يكون الوالد نجارا، أو صاحب مهنة متواضعة، في حين يعيش الولد في ترف، ويشغل وظيفة كبيرة، فيخجل من وجودهما في بيته عند زملائه بزيهما البسيط، وربما سأله من لا يعرف والده من هذا؟ فيقول هذا خادم عندنا مستأجر لشؤون البيت وذلك لأن هذا الولد يتوهم أن هذه الهيئة تتنافى مع وظيفته أو مقامه الاجتماعي الكبير، وهذا بلا شك برهان على سخافة عقله، وقلة دينه.
والنفس العظيمة الشريفة تفتخر وتعتز بمنبتها وأصلها أبيها وأمها، مهما كانت حياتهما ونشأتهما، وبيئتهما وهيئتهما، ولا يستبعد أن يوجد من النساء اللاتي يقال لهن متعلمات، إذا سألها من لا يعرف أمها من هذه؟ فتقول هذه خادمة عندنا، وصدق الله العظيم القائل في محكم التنزيل كما جاء في سورة الحج ” فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور ” فاللهم إنا نسألك أن تعيننا جميعا على بر والدينا، اللهم إن كنا قد قصرنا في برهما، أو أخطأنا في حقهما، اللهم فاغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسرفنا وما أعلنا، واملأ قلبيهما بمحبتنا، وألسنتهما بالدعاء لنا، يا ذا الجلال والإكرام، اللهم وإن كانا ميتين فاغفر لها وارحمهما، وأعنا على الإحسان إليهما بعد موتهما.



