تربية النفس على السكون .. الكاتبة/ الزهرة العناق

في عالم يعج بالأصوات، وتزدحم فيه العقول بالخطى المتسارعة، تبرز فضيلة نادرة، تشبه زهرة تنمو في صحراء متقلبة الرياح: فضيلة الهدوء. لكن، الهدوء الذي نقصده هنا ليس خمودًا ولا خنوعًا، بل هو ذاك الهدوء الذي يولد الحكمة، وينبت في أرض الروح بذور البصيرة.

إن تربية النفس على التمهل، والتأني في اتخاذ القرار، ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة حتمية لمن أراد أن يُحسِن الاختيار في زمن تعالت فيه أصوات القطيع، واختفى فيه صوت الفرد الحر.

ليس التسرع من صفات الأقوياء، بل هو رد فعل طبيعي لمن لم يروض عقله على الانتظار. أما من تعلم أن يلتقط أنفاسه قبل أن يخطو، فهو الذي يرى ما لا يراه المستعجل، ويدرك ما لا يدركه من أغمض عينيه وسار خلف الآخر دون وعي.

لقد خلقنا الله سبحانه و تعالى من نفس واحدة، لكنه غرس في كل منا عقلا مختلفا، ليكون لكل منا بصمة، وصوت، وطريق. فهل يعقل بعد ذلك أن نذيب هذا التفرد في جماعة لا تفكر، ولا تراجع، ولا تمحص؟!

إن أسمى ما يمكن أن يبلغه الإنسان في تهذيب ذاته و تربيتها، هو أن يربي نفسه على التماسك لا الانفجار، على الصمت المعبر لا الكلام المكرر، على اتخاذ القرار و الجري وراء ما قرره الآخرون.

كلما ازداد المرء حكمة، كلما ازداد سكينة. ليس لأنه بات يخاف المواجهة، بل لأنه صار يعي متى تكون المواجهة حكمة، ومتى تكون اندفاعا لا طائل منه.

فليكن الهدوء سبيلنا لا الانسياق، ولتكن الحكمة سلاحنا لا التبعية، ولنغرس في نفوسنا أن من سار مع القطيع بلا وعي، ضيع ذاته، حتى وإن بدا في نظر الآخرين أنه “يسير في الاتجاه الصحيح”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى