تائهة في الزحام..3 .. قصة قصيرة بقلم د / سعاد حسني

 

لقد عرضت مستشفى أطفال استثماري عليها العمل مقابل راتب مادي مناسب. وبالطبع وافقت أحلام على الفور؛ نظرا لظروفها الحالية. واستلمت أحلام عملها بالمستشفى وأصبحت تنسق وقتها بين الاهتمام بأبنائها وبين عملها، وخاصة ولدها عمر. ومرت الأيام وهي هكذا. وهي لا تشتكي مهما تحملت من آلام في سبيل إسعاد أبنائها. أثبتت وجودها بعملها في المستشفى وتعلق بها الأطفال وأحبوها حبا شديدا؛ مما جعل مديرها يعجب بها؛ لنشاطها الدؤب، وتفانيها في العمل. ولكن هي لا تفكر إلا في أبنائها، و مستقبلهم. وعلى الرغم من أن الحمل أصبح ثقيلا عليها، إلا إنها متقبلة الأمر برضاء من الله؛ متمنية الوصول بأبنائها إلى بر الأمان. وتكبر الأولاد، وتكبر مشاكلهم، وتتنوع من شكل إلى أخر، وخاصة عند وصولهم سن المراهقة، وكل واحد منهم يحاول إثبات ذاته، وكل واحد منهم يفرض شخصيته وسيطرته على الأخر. وهي تقف بينهم مرة بالنهر، والتوبيخ والمعاقبة، ومرة بالعطف والحنان. وهكذا إلى أن جاءت فرصة عمرها، والتى لا تأتي في العمر إلا مرة واحدة. وهي منحة تعليمية إلى أمريكا؛ لتفوقها الطبي، وإنجازتها الغير عادية. وفرحت أحلام فرحا شديدا لهذه المنحة. وأخذ يتطاير عقلها من الفرحة.، خاصة أن بعد إجتياز هذه المنحة سوف تصبح ذا منصب مرموق في طب الأطفال. وفي عز فرحتها بهذه المنحة توقف عقلها فجأة، وتذكرت كيف سيكون مصير أبنائها. من الذي سيرعاهم؟ من الذي سيتولي أمرهم؟ وكيف يكون حال عمر من بعدها؟ وهل تستطيع أن تجد أحدا يصبر عليه، ويرفق به، ويعامله كما تعامله هي؟ فأيقنت أنها لا تستطيع أن تقبل هذه المنحة. ولا تستطيع ترك أبنائها. وتخلت أحلام عن أحلامها في سبيل راحة أبنائها. واعتذرت عن المنحة، كما اعتذرت عن عرض الزواج عليها من قبل مدير المستشفى. ورضيت أن تكون تائهة في زحام ظروفها ومتطلبات أبنائها و مشاكلهم أفضل من تركهم للضياع، وتقلبات القدر عليهم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى