من باريس إلى لندن… الاعتراف بدولة فلسطين بين الشرعية المؤجلة والارتدادات الإقليمية

بقلم/ د. أحلام محمد أبو السعود
مسؤولة إدارة كوشان بلدي
////////////////////////////////////////////////////////////////////////

في توقيت سياسي حساس، خرج الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ليعلن نية بلاده الاعتراف بالدولة الفلسطينية. لم يكن ذلك مجرد تصريح دبلوماسي في مؤتمر عابر، بل رسالة استراتيجية أراد بها ماكرون كسر جدار الصمت الأوروبي وتعديل كفة الشرعية الدولية التي طال اختلالها.

ردة الفعل الإسرائيلية كانت سريعة وحادة، تجسدت في تصريحات غاضبة من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي وصف الخطوة الفرنسية بأنها “مكافأة للإرهاب”، متناسيًا أن الاحتلال هو الجذر الحقيقي للعنف، وأن الإنصاف المتأخر ليس تهديدًا، بل ضرورة أخلاقية وسياسية.

ماكرون يفتح الباب… فهل تلحقه أوروبا؟
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
فرنسا، الدولة دائمة العضوية في مجلس الأمن، تعي أن اعترافها ليس مجرد موقف رمزي، بل خطوة ثقيلة الوزن في معادلة القانون الدولي. هذا الاعتراف – إن تحقق – سيكون بمثابة تحول نوعي في الموقف الأوروبي التقليدي الذي طالما وازن بين “الطرفين” بشكل يخفي انحيازًا فعليًا للجانب الإسرائيلي.

إلى جانب فرنسا، سبقتها كل من إيرلندا وإسبانيا إلى إعلان مماثل، ما يعني أننا أمام لحظة سياسية متحركة قد تُعيد التموضع الأوروبي في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، وتدفع نحو اعترافات جماعية تضغط على الاحتلال وتمنح الفلسطينيين مزيدًا من الشرعية السياسية والدبلوماسية.

بريطانيا… من وعد بلفور إلى اعتراف متأخر
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
قبل أسابيع، كانت بريطانيا – حاملة وعد بلفور المشؤوم – قد أعلنت أيضًا نيتها الاعتراف بالدولة الفلسطينية، في موقف يحمل دلالات تاريخية عميقة: فالدولة التي منحت الصهاينة “وطناً” على حساب الفلسطينيين عام 1917، تعود بعد أكثر من قرن لتُحاول تلميع صورتها عبر اعتراف سياسي متأخر.

لكن الاعتراف – كما أشرنا في تقرير كوشان بلدي السابق – لا يجب أن يبقى في دائرة الرمزية، بل يجب أن يترافق مع إعادة الأموال الفلسطينية المحتجزة في بنك إنجلترا منذ 1948، والاعتذار الرسمي عن وعد بلفور، وفتح الطريق أمام استعادة السيادة الاقتصادية الفلسطينية.

الاعتراف بالدولة الفلسطينية… مجرد موقف أم نقطة تحوّل؟
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ما بين المواقف الأوروبية المتصاعدة والعدوان الإسرائيلي المتواصل، تتشكل ملامح جديدة في خريطة الصراع. الاعتراف الفرنسي المحتمل ليس نهاية المطاف، لكنه يعكس انزياحًا أخلاقيًا وقانونيًا في الرواية الدولية.

فإذا كانت إسرائيل تنظر إلى هذه الاعترافات على أنها تهديد استراتيجي، فهذا يعني أننا أمام تحوّل فعلي في موازين الدعم العالمي. وإذا استمرت هذه الموجة، فقد نرى قريبًا تغيّرات ملموسة في:

تعامل المؤسسات الدولية مع القضية الفلسطينية.

تفكيك خطاب “الحياد” الأوروبي.

زيادة الضغط لعزل إسرائيل دبلوماسيًا واقتصاديًا.

كوشان بلدي… ذاكرة الأرض ورؤية السيادة
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
في “كوشان بلدي”، لا نقرأ هذه الاعترافات بمعزل عن السياق التاريخي والاقتصادي. نراها فرصة سياسية لإعادة تصويب البوصلة الدولية، ورافعة اقتصادية لاسترداد الحقوق المسلوبة، من الذهب الفلسطيني المحتجز، إلى السيادة النقدية والمالية.

إن الاعتراف بالدولة الفلسطينية لا يُجزّأ: فكما أنه اعتراف بالحق في الأرض، يجب أن يكون اعترافًا بالحق في الذاكرة، والحق في العودة، والحق في الموارد والثروات، والحق في دولة حقيقية لا تُختزل بعلَم ومقعد، بل تُبنى على إرادة وقرار حر، ومؤسسات لا ترتهن لمقاصة المحتل ولا لمعوناته.

فرنسا اليوم أمام امتحان تاريخي، وبريطانيا مطالبة بتصحيح تاريخ دموي، والعالم كله مدعو لأن يسمع الصوت الفلسطيني… لا كضحية، بل كشعب صاحب كوشان وأرض وتاريخ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى