بلاغة الأداب مع الخالق سبحانه و تعالى .. الكاتبة: الزهرة العناق

 

حين تصبح اللغة مطية الروح، لا يبقى للكلمات وزن إلا بقدر ما تحمل من خضوع لجلال الله.

نحن لا نناجي بشرا نجيد أمامه التجمل، بل نناجي من لا تخفى عليه شيء، من يرى ضعفنا حين نخفيه عن العالم، ويعلم صمتنا حين يعجز اللسان.

إن التأدب مع الله ليس مجرد التهذيب في الدعاء، بل هو بلاغة الخشوع، وصدق العبودية، وهيبة الاعتراف بأننا لا نملك لأنفسنا نفعا ولا ضررا،

وأن كل همسة نرفعها إلى السماء، لا بد أن تمر أولا عبر مصفاة( Filtre) الحياء والخضوع والوقار.

في زمن ضجت فيه الأقلام بالتركيز على مواضيع في مختلف المجالات و نسيت الأهم، نجد أنه ليس من البيان أن نجيد اللغة في مناجاة الله، بل علينا أن نحسن اختيار الألفاظ التي تليق بجلاله، وأن نخضع الكلمات لسلطان الهيبة والخضوع.

فمن عرف الله حقا، أرهقه الوقوف بين يديه، وخنقته الدموع قبل أن يخرج دعاءه من صدره.

✦ من الأخلاقيات التي تزين مناجاة العبد لربه ما يلي:

*التنزه في الخطاب:

ألا نستخدم في الحديث مع الله ألفاظا يخاطب بها البشر، كـ”أيّها” أو “كيف”،

لأن الله لا يسأل عن كيفية أفعاله، ولا ينادى بنداء من هو في مقام النداء.

*الرضا والتسليم:

من أدب العبودية ألا نعترض، ولا نعاتب، بل نسلم و نوقن أن كل قدر فيه حكمة،

فنقول: “رضيت بما قدرت لي يا الله، و أستغفرك لما جهلت من حكمتك.”

*تجنب التكلف في الدعاء:

الدعاء الصادق لا يحتاج إلى محسنات بلاغية، بل إلى قلب منكسر، وعين دامعة، ويقين ثابت.

فخير الدعاء ما خرج من عمق الوجع بصدق:

“اللهم لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.”

*حسن الظن مع الأدب في الطلب:

ليس من التأدب أن نقول:

 “إن لم تغفر لي فمن …؟”

 بأسلوب اعتراض،

بل نقول: “اغفر لي يا من لا يغفر الذنب سواك، واغسل قلبي من ظنونه.”

✦ بلاغة الصمت في حضرة المولى سبحانه وتعالى 

ليس كل مقام يحتاج للضجيج و الكلام الفارغ، هناك لحظات تخرس فيها البلاغة، ويعلو فيها صوت الصمت و الخشوع.

فالأدب أحيانا أن تصمت حين لا تجد ما تقول، وتكتفي بدمعة، أو سجدة، أو تنهيدة و تقول:

“يا رب، أنت تعلم…..”

الأدب مع الله هو خلق ينشأ من وعي القلب بمن يخاطب،

من إدراك أنه لا قوة لنا، ولا حول، ولا عز، إلا بلطفه.

فمن تأدب مع الله، أحبه وأدبه بلطفه، و رباه بحكمته، ورفعه في الدنيا والآخرة.

أخيرا وليس آخرا، ما أعظم أن نكون من أهل الأدب مع الله،

ليس لأننا نجيد الحروف، بل لأننا نحمل قلوبا تعرف حدود المقام.

فمن تأدب مع ربه في خلجاته، وتهذب في نجواه، كفاه الله بحكمته، ورفعه بحنانه، وألبسه جلال القرب.

ولعل أجمل ما أختم به هو:

“ما دام الله في القلب، فكل كلمة تخرج منه إليه، يجب أن تلبس ثوب الطهارة، و تعطر بندى الأدب.”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى