الطفولة في زمن ملوث

بقلم/ الزهرة العناق
في زمن يعج بالضجيج والتلوث، لم تعد الطفولة آمنة كما ينبغي. ضجيج الشوارع، تلوث الهواء، وتراكم الهموم الاجتماعية والنفسية، كلها عوامل تهدد تلك المرحلة البريئة التي تشكل فيها الملامح الأولى للهوية الإنسانية. سواء كان الطفل يعيش في كنف والديه، أو حالة طلاق أو متخلى عنه، تبقى حاجته إلى الحب والأمان والاهتمام واحدة، لا تتغير بتغير المكان أو الأشخاص.
الطفل كيان حي، لا يختصر في لقمة يأكلها أو سرير ينام عليه، بل هو روح تنمو، وعقل يتشكل، ونفس تتأثر بما حولها. وأول خطوة في التعامل مع الطفل، هي احترام مشاعره، و مخاطبته بلغة يفهمها دون تبسيط مفرط أو تجاهل لقدراته.
في ظل الضوضاء و التلوث الذي نعيشه اليوم، يحتاج الطفل إلى ما هو أكثر من البيئة المادية النظيفة؛ يحتاج إلى بيئة نفسية آمنة، وإلى بالغين يصغون إليه، لا فقط يسمعونه.
و لصناعة طفل قادر على تحمل المسؤولية هناك طرق ناجعة لمساعدته في هذه الحياة، إليك ما يلي:
*خلق مساحة آمنة عاطفيا:
على الأهل أو القائمين بالرعاية –
سواء كانوا أقارب أو مؤسسات – أن يزرعوا في قلب الطفل شعورا بالقبول الغير المشروط، وأن يشعر بأنه محبوب مهما أخطأ، مسموع مهما قال، ومقدر مهما بدا صغيرا.
*الاستقرار والروتين:
الروتين اليومي المنظم يمنح الطفل شعورا بالثبات في عالم متقلب. جدول نوم وغذاء منتظم، أوقات مخصصة للعب والتعلم، تساعده على النمو المتوازن.
*التعليم بالقيم لا بالأوامر:
الطفل يتعلم بالمشاهدة أكثر مما يتعلم بالتلقين. علينا أن نكون قدوة في الصدق، والتسامح، وحسن المعاملة. أن نظهر الرحمة لا الغضب، والنقاش لا التهديد.
*دعم الطفل في حالة طلاق أو المتخلى عنه أو فاقد الرعاية الأبوية:
هؤلاء الأطفال يحتاجون إلى ما يفوق المساعدة المادية. يحتاجون إلى حضن رمزي يحتويهم، إلى شخص يؤمن بهم، إلى فرصة لتكوين علاقات بديلة تعوض جزءًا من الفراغ العاطفي. يمكن تحقيق ذلك من خلال برامج الدعم النفسي، و المرافقة التربوية، وفتح المجال أمامهم للتعبير عن أنفسهم.
إبعاده عن مصادر التلوث النفسي: لا نقصد فقط التلوث البيئي، بل أيضا “تلوث المحتوى” المنتشر على الشاشات ووسائل التواصل. علينا مراقبة ما يشاهده الأطفال، وتعويضه بمحتوى هادف ينمي خياله و لا يقتل براءته.
*تنمية مواهبه وشغفه:
في كل طفل بذرة تميز. علينا اكتشافها، وسقيها بالثقة والدعم والتشجيع. طفل موهوب يجد من يحتضن موهبته، سيكون في الغد راشدا مسؤولا و مؤثرا.
أخيرا وليس آخرا، في هذا العالم المزدحم بالمخاوف و المشتتات، ليس من السهل حماية الطفولة، لكنها مسؤولية لا تحتمل التهاون.
لنعمل جاهدين على أن نصنع لهؤلاء الأطفال، أينما كانوا، مساحتهم الخاصة من السلام، نخلع فيها صخب العالم، و نلبسهم دفء إنسانيتنا.






