ابتهال عبد الوهاب تكتب: حين تصبح الحرية قيدا جديدا

في جغرافيا تبتلى فيها الارواح قبل الاجساد، تنقلب الحرية الى مرآة مقلوبه لا تعكس ذاتك، بل تريك وجوه الاخرين وهم يتطفلون على داخلك كما لو كان حقا مشاعا. هناك، حيث يصادر الحلم قبل ان يكتمل، وتجهض الفكرة قبل ان تنطق، تصبح الحرية لا تعني الا شيئا واحدا: حرية التدخل في شؤون غيرك.
ليست حرية التفكير، بل حرية التفتيش
ليست حرية الوجود، بل حرية الالغاء
وحدها حريتهم مصونة: حرية اصدار الاحكام نيابة عنك، ان يتسللوا الى نواياك قبل ان تعرفها انت، وان يصوغوا لك ملامح الآخرة كما لو كانت ملكية جماعية يوزع فيها “النجاة” بناء على ما يملكون من صكوك الغفران
يولد الانسان في هذه البقعة التي لا تعرف من الحرية سوى قشرتها، فاذا به يعيش حياة ليست له، ويحمل افكارا ليست منه، ويطالب بان يحلم بما لا يزعج، وان يتمنى ما لا يقلق، وان يتخيل في حدود ما يمكن ترويضه او مصادرته. هناك، تتساقط الامنيات مثل اوراق شجرة في الخريف ، ويصبح الخيال نفسه فعلا مريبا
في هذه الارض المستعارة، كل شيء يخضع للرقابة: صوتك، ووجهك، وملابسك، وضحكتك، وحتى حزنك. يفتشون في ما لا يرى، ويحاسبون على ما لم يقل، ويختصرونك في فتاوى جاهزة وقوالب قديمة، ثم يطالبونك بان تكون ممتنا
يا لخذلان الجغرافيا حين تغلق المنافذ على الروح، وتفتحها على العيون المتلصصة. ويا لتعاسة الانسان حين لا يكون له من وجوده سوى ظل يتحرك في خوف، وحين يتحول الى مشروع للرقابة، لا مشروع للحرية
في حضارات الابواب الموصدة، يمنع الانسان من دخول ذاته، ويطرد من احلامه، فلا يبقى له الا ان يراقب نفسه كما يراقبه الجميع. هناك، لا تحترم الخصوصية لانها تعد ترفا برجوازيا، ولا تحتمل الاختلافات لانها تهدد النظام
وهكذا، في زمن التسلط باسم الفضيلة، والوصاية باسم الايمان، تصبح النجاة في ان تخفي نفسك، لا ان تحققها؛ ان تتقن الصمت، لا ان تجيد التفكير؛ ان تراقب الاخرين كي لا تراقب
فاي حرية هذه؟
انها حرية الزيف، لا حرية الانسان
ليست الحرية دائما هبة تتوزع بالعدل، وليست دائما خلاصا يسعى الإنسان نحوه ليكون أكثر اكتمالا. أحيانا، تتحول الحرية في مجتمعات بعينها إلى قناع زائف، يخفي خلفه استبدادا جديدا من نوع آخر؛ استبداد لا يأتي من سلطة مركزية فقط، بل من شبكات اجتماعية تُمارس القمع باسم الجماعة، وتغتال الفرد باسم الهوية
في عالم كهذا، لا يُقاس قيد الإنسان بالسلاسل، بل بعدد العيون التي تلاحقه، وعدد الأحكام التي تصاغ عنه دون أن يُسمع له صوت. إنها حرية مشروطة، مسيجة بنوايا الآخرين، لا تمنحك ذاتك، بل تنتزعها وتعيد تشكيلها وفق قوالبهم. ولا نجاة من هذا القيد إلا بإعادة بناء فكرة الحرية من الداخل، حرية تبدأ من تحرير الوعي، لا من استبدال القيود.
وفي مقابل هذا المشهد البائس الذي نحياه، يظل الحنين مشتعلا الى حرية حقيقية، حرية تتيح للانسان ان يكون نفسه بلا خوف، ان يحلم خارج الاملاءات، ان يختار ملامح خلاصه دون وساطة، وان يخطو في دروب الحياة كما لو كانت له
لكن… ما اثقل الحلم في ارض لا تسمح لك ان تكون انت
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى