نادية هارون تكتب:من جيسيكا الى تدمير دول.. الوجه المُظلم للذكاء الاصطناعي

شهد العالم في السنوات الأخيرة قفزات هائلة في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث طوّرت تقنيات قادرة على إنتاج صور وفيديوهات وأصوات تكاد تطابق الواقع، هذه القدرات فتحت آفاقًا واسعة في مجالات الطب والتعليم والصناعة، لكنها في الوقت نفسه أطلقت جرس إنذار بشأن استخدامها في التضليل وصناعة الأخبار الزائفة.

قصة مدربة الحيتان “جيسيكا رادكليف” مثال صارخ على هذا الخطر، فخلال أيام قليلة، اجتاحت مواقع التواصل شائعة وفاتها المأساوية على يد حوت قاتل أثناء عرض بحري، مدعومة بفيديوهات وصور مؤثرة تبدو حقيقية تمامًا، لكنها في الحقيقة من إنتاج الذكاء الاصطناعي، وكانت النتيجة أن آلاف الأشخاص صدقوا القصة، وتفاعلوا معها عاطفيًا، قبل أن يتضح أنها مختلقة بالكامل.

هذه الحادثة تذكّرنا بأن العلم والاختراعات التي ابتكرها الإنسان لخدمة البشرية يمكن أن تتحول، إذا أسيء استخدامها، إلى أدوات تخريب ودمار، والتاريخ حافل بأمثلة مشابهة، فالديناميت مثلًا، الذي اخترعه ألفريد نوبل ليساعد في شق الجبال وشق الطرق وتسهيل عمليات البناء، تحوّل بسرعة إلى أداة للحروب والقتل، حتى أن نوبل نفسه شعر بالذنب وأسّس جائزة نوبل لتكريم من يسهمون في خدمة السلام والإنسانية.

لكن الأخطر من ذلك، أن هذه التقنيات قد تُستخدم في إسقاط دول وزعزعة الاستقرار من خلال بث مقاطع مزيفة لقيادات سياسية أو عسكرية، أو افتعال أحداث غير حقيقية تشعل الفوضى، أو تعريض حياة الناس للخطر عبر نشر أخبار كاذبة عن كوارث أو هجمات تثير الذعر، أو تزييف الدين بتحريف رسائل شرعية وخطب منسوبة لعلماء بهدف نشر التطرف وإشعال الفتن، فضلًا عن إفساد المجتمعات بزرع الشك وتقويض الثقة في الإعلام والمؤسسات، وكل ذلك يمكن أن يحدث خلال ساعات معدودة قبل أن تتاح الفرصة للتحقق من الحقيقة.

وتتضاعف خطورة هذه الممارسات عند اقترانها بقدرة وسائل التواصل الاجتماعي على نشر الشائعات بسرعة هائلة، فالمحتوى المفبرك بالذكاء الاصطناعي يجد في منصات مثل فيسبوك وتيك توك ويوتيوب بيئة مثالية للانتشار الفيروسي خلال دقائق، مدفوعًا بخوارزميات تفضّل المواد المثيرة والعاطفية على الحقائق الهادئة، وهذه السرعة تمنح الأخبار الزائفة قوة التأثير قبل أن يتمكن أي طرف من التحقق منها أو نفيها، مما يتيح للجهات المضللة إثارة الفتن، وزعزعة الاستقرار، وتشويه سمعة الأفراد أو المؤسسات، بل وحتى دفع شعوب لعمل فوضى، أو دفع حكومات لشن حروب مبنية على أكاذيب.

للحد من مخاطر إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي في التضليل وإشعال الصراعات، لا بد من تبني منظومة حماية شاملة تجمع بين سنّ تشريعات صارمة تجرّم إنتاج ونشر المحتوى المزيف الضار، وتطوير أدوات متقدمة للتحقق السريع من الصور والفيديوهات والتسجيلات، إلى جانب تعزيز الوعي المجتمعي عبر حملات تثقيفية تُعلّم الأفراد التريث قبل تصديق أو مشاركة أي مادة مثيرة للجدل، مع تشجيع وسائل الإعلام على الالتزام بالتحقق المزدوج من المعلومات، وبناء تعاون دولي لتبادل الخبرات والتقنيات في كشف التزييف، بحيث يصبح استخدام هذه التقنيات في التخريب أمرًا محفوفًا بالمخاطر ويصعب تنفيذه.

وكما كان الديناميت اختراعًا ذا وجهين، فإن الذكاء الاصطناعي قد يصبح إما جسرًا نحو مستقبل أفضل، أو معولًا للهدم، الخيار في النهاية بيد البشر، فهم من يحددون كيف تُستخدم هذه القوة الجديدة للبناء العالم، أم للتخريب.

في النهاية أقول: خلال ساعات، تحولت قصة جيسيكا إلى حقيقة في عقول الآلاف، خصوصًا مع إعادة النشر من أشخاص يثق بهم المتابعون، لذلك وقبل مشاركة أي خبر، خصوصًا إذا كان مثيرًا للفتن، يجب البحث عن تغطية من وسائل إعلام موثوقة، واستخدام أدوات التحقق من الصور والفيديو، والانتباه لعلامات الفبركة، مثل غياب تفاصيل دقيقة، صور بجودة غير متسقة، أو حسابات حديثة النشأة تنشر الخبر نفسه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى