نادية هارون تكتب: عقيدة الإخوان وإسرائيل.. العداء لمصر أولًا
العلاقة بين الإخوان وإسرائيل في مفهوم الوطن والمواطنة تكشف تناقضًا صارخًا يفضح أولويات كلٍّ منهما، ويشرح لماذا بدا أن إستهداف مصر أهم عند الإخوان من إستهداف إسرائيل _كما تتعالى دعواتهم بذلك_، ولماذا تلاقت مصالح الطرفين أكثر مما تصادمت.
الإخوان المسلمون ينظرون إلى الوطن بإعتباره محطة عابرة في طريق “الخلافة الإسلامية”، فلا مصر ولا سوريا ولا العراق ولا أي دولة عربية كانت أو اسلامية أوطان بالمعنى النهائي، بل حدود مصطنعة يجب تجاوزها لصالح دولة شمولية عابرة للحدود، وهي دولتهم التي يسعون لخلافتها، أما إسرائيل، فقامت على فكرة “الوطن القومي لليهود” أينما كانوا، فهي ليست دولة بالمعنى الطبيعي في حدودها الجغرافية، بل مشروع عقائدي–إستيطاني يقوم على جمع الشتات اليهودي من كل بقاع الأرض، وجعل ولائهم الأول لإسرائيل لا للأوطان الأصلية التي ولدوا فيها أو يحملون جنسياتها، وهكذا يتقاطع الطرفان في إنكار قيمة “الوطن بمعناه الوطني” لصالح “الوطن العقائدي”، ويتفقان على تهميش مفهوم المواطنة المتساوية.
الإخوان لم يعترفوا يومًا بمفهوم المواطنة الكاملة لكل أبناء الوطن، فالمسلم المنتمي للجماعة عندهم هو “المواطن الحقيقي”، بينما المسيحي أو المسلم غير المنتمي يظل مواطنًا من درجة أدنى، وإسرائيل تفعل الشيء نفسه، فاليهودي هو المواطن صاحب الحقوق، أما العربي الفلسطيني فهو مقيم دائمًا تحت طائلة الشك والمراقبة، بهذا المعنى، يلتقي الطرفان في جوهر عقيدتهما، وهي أن الانتماء للجماعة الدينية أو العرقية مقدم على الانتماء للوطن الجامع، والولاء الأول ليس للدولة، بل للهوية العقائدية التي تُعلي من شأنها على حساب الجميع.
كما أن كليهما ينظر إلى الدولة كأداة وليست غاية، فالدولة عند الإخوان مجرد وسيلة لإقامة “المشروع الإسلامي”، وعند إسرائيل مجرد أداة لتحقيق “الوعد التوراتي” وجمع الشتات، وليست قيمة قائمة على الجغرافيا أو فكرة المواطنة الجامعة، وهذه الرؤية تجعل الولاء للكيان العقائدي فوق الولاء للدولة التي يعيش فيها الفرد.
ومصر منذ نشأتها مثلت الدولة الوطنية المستقرة ذات الثقل السكاني والعسكري والثقافي عائقًا أمام المشروعين معًا، بالنسبة لإسرائيل، مصر هي الدولة العربية المحورية القادرة على كبح التوسع الصهيوني، وبالنسبة للإخوان، مصر الوطنية، التي تضع الولاء للوطن فوق الولاء للجماعة، هي أكبر عائق أمام حلم “الخلافة”، ولهذا كان إسقاط مصر أولوية مشتركة فإسرائيل تسعى لإضعافها من الخارج، والإخوان سعوا لاختراقها وضرب هويتها الوطنية من الداخل.
ما يفضح الإخوان أنهم جعلوا محاربة مصر أولى من محاربة إسرائيل نفسها، فبينما كانت إسرائيل تقتل وتحتل وتوسع مستوطناتها، كانت دعوات الإخوان ومظاهراتهم موجهة ضد الدولة المصرية، واتهامها زورًا بتجويع غزة، بل وصل الأمر إلى أن تتناغم شعارات المتظاهرين في تل أبيب مع شعارات الإخوان ضد مصر، وكأن هناك وحدة هدف غير معلنة، هذا الموقف يكشف أن عداء الإخوان الحقيقي ليس مع إسرائيل، بل مع الدولة الوطنية المصرية التي تشكل الخطر الأكبر على مشروعهم.
أن يتحالف خطاب الإخوان مع خطاب تل أبيب ضد مصر، فهذا فُجر سياسي وأخلاقي، فهم يرفعون راية “نصرة فلسطين” شكليًا، لكنهم في الحقيقة يطعنون مصر التي كانت دومًا السند الحقيقي للقضية الفلسطينية، لقد آثروا التشكيك في وطنهم، والتحريض عليه، بينما التزموا الخَرَس أمام الجرائم الإسرائيلية.
في النهاية أقول: أن الإخوان وإسرائيل يلتقيان في إنكار الوطن والمواطنة لصالح مشروع عقائدي إقصائي، ومصر بحكم ثقلها ومكانتها، تقف سدًا منيعًا أمام المشروعين، لذلك لم يكن غريبًا أن يقدّم الإخوان محاربة مصر على محاربة إسرائيل، وأن يجد خطابهم صدى في تل أبيب، إن هذا التلاقي يثبت أن حماية الدولة الوطنية المصرية ليست فقط ضرورة داخلية، بل هي أيضًا خط الدفاع الأول عن المنطقة بأسرها، وأتعجب كيف أن حكام الخليج يخشون الإخوان ولا يخشون الاحتلال الصهيوني؟!






