أخلاق الرجال .. الكاتبة: الزهرة العناق

 

أخلاق الرجال هي المعيار الأصدق لقياس قيمة الإنسان، فهي ليست مظاهر تباع أو تشترى، ولا ألواناً يختارها متى شاء و يرميها متى مل منها، أو زينة يعلقها على الأكتاف، بل هي الجذور الضاربة في أعماق الوجدان، و الثوابت التي لا يسلم فيها مهما تغيرت الرياح و الأزمنة.

أخلاق الرجال هي التي تصنع لهم الخلود في القلوب، و تكتب أسماءهم على صفحات النور، بينما غيرهم يمرون كما يمر الغبار، لا يذكرون إلا لحظة الوفاة.

الرجل الخلوق ليس من يعتلي المنابر و يسترسل في الخطب، بل من يترجم خلقه في أبسط المواقف: في صدقه حين يغريه الكذب، في وفائه حين يتاح له الغدر، و في صمته حين يكون الصخب أكثر ربحاً.

المروءة الحقيقية لا تختبر في المواقف السهلة، بل تعرف عند مواجهة الأمور المعقدة، حيث يتهاوى الضعفاء و تثبت الأصول.

ليس أعظم رجل هو من يملك القوة، و لكن من يختار الرفق بالحيوان و البشر، يقدر على البطش لكنه يؤثر العفو، تتزاحم أمامه المغريات لكنه يمضي ثابتاً، لا تفتنه المظاهر ولا تغريه الأضواء. الأخلاق عندئذ تتحول من شعار إلى ممارسة، ومن كلمات منمقة إلى أفعال شاهدة.

الرجل الذي يتصف بالأخلاق النبيلة يزن كلماته بميزان الحق، و لا يجعل لسانه سهما جارحا، بل جسرا للطمأنينة و يترك وراءه إرثا لا يزول، إرثا أصفى من الذهب، و أبقى من الحجر، لأن الأخلاق لا تتقادم مع الأعمار و لا تمحى بالنسيان. مثل هؤلاء يصنعون من وجودهم برداً و سلاماً على من حولهم، فلا يرهقون أحداً بالسرقة و لا يثقلون أحداً بالظلم، بل يجعلون حضورهم عوناً، و غيابهم فراغاً لا يملأ.

أما من فقد الأخلاق، فلا يغنيه جاه و لا سلطان، ولا يشفع له مال و لا مكان، لأنه حتى و إن زينت له الدنيا، فلن يستطيع أن يخفي فراغه الداخلي. فالزيف يلمع لحظة، لكنه ينطفئ سريعاً، بينما معدن الخلق يبقى مشعاً، لا ينكسر أمام امتحانات الدهر.

أخيرا و ليس آخرا، العالم اليوم في حاجة ماسة إلى رجال ذو أخلاق، و ليس أشباه الرجال، إلى رجال يقيمون ميزان العدل و الصدق في بيوتهم قبل مجتمعاتهم، و يعلمون أبناءهم أن الرجولة ليست صخباً و لا استعلاء، بل رحمة وحلم، وكرم في اليد و اللسان.

ما أعظم أن يكون المرء جبلاً في صلابته، و غيثاً في رحمته، يلهم الثقة لمن حوله، و يجعل من وجوده راحة. الأخلاق هي ميراث الرجال، لا تفنى بزوال العمر، ولا تمحى مع غبار الأيام، بل تبقى نقشاً ناصعاً في ذاكرة القلوب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى