الحرية مسؤولية .. الكاتبة: الزهرة العناق

 

حين نتأمل في مفهوم الحرية، ندرك أن الخطأ الأكبر الذي وقع فيه كثير من الناس هو اعتبارها انعتاقًا مطلقًا من كل قيد، بينما حقيقتها أنها ميزان دقيق، يزن به المرء أقواله وأفعاله في ضوء ما يمليه عليه الضمير وما ترسمه الأخلاق من حدود.

الحرية ليست أن تقول ما تشاء دون وعي، أو أن تفعل ما يحلو لك دون مراعاة لحقوق الغير، بل هي وعي راشد بأنك إنسان مسؤول، وأن لكل حركة من حركاتك صدى يتردد في نفوس الآخرين.

الحرية التي تمارس دون ضابط تشبه ريحا هوجاء، قد تبهج من بعيد، لكنها إذا هبت دون حساب اقتلعت الأركان وأفسدت العمران. أما الحرية التي يلازمها وعي فهي نسيم رقيق، ينعش الأرواح ويبعث على الطمأنينة. الفرق بينهما كالفرق بين قطرة ماء تروي زهرة عطشى، وبين سيل جارف لا يترك وراءه إلا الخراب.

إن أجمل صور الحرية أن تكون نافذة للحق، وسندًا للعدل، وصوتًا للخير. حينها لا تتحول إلى عبث، ولا تنحدر إلى فوضى، ولا تغدو ذريعة للأنانية. ولعل أعظم ما يعكس قيمة الحرية هو قدرتها على تهذيب الإنسان لا على إفساده، وعلى صون كرامته لا على تشويهها، وعلى تنمية إنسانيته لا على سحقها.

الإنسان الحق لا يقيس حريته بما يملك من جرأة على تجاوز الخطوط، بل بما يملك من حكمة على التوقف عندها. الحرية التي لا يضبطها خلق ولا يهذبها عقل، ما هي إلا قيد جديد يتسرب إلى الروح من حيث لا تدري، فتغدو العبودية في ثوب جديد.

الحرية يا أنت يا أنا ليست ساحة صخب، ولا قناعًا للهوى، بل هي فضاءٌ من نور لا يشرق إلا حين تعانق المسؤولية. فهي كطائر جميل، إن أطلقته دون جناحين سقط، وإن حملته على وعي وعقل حلق بعيدًا، وترك خلفه أثرًا يليق بالإنسان الذي كرمه الخالق.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى