نادية هارون تكتب:لن يمر سايكس–بيكو من سيناء
شهد مجلس الأمن في اجتماعه الأخير حول غزة لحظة كاشفة حين وجدت الولايات المتحدة نفسها في عزلة سياسية واضحة، إذ صوت أربعة عشر عضوًا خلف موقف واحد يؤكد أن المجاعة في القطاع أزمة من صنع الاحتلال، فيما رفضت واشنطن تحميل إسرائيل المسؤولية المباشرة، أبرزت هذه النتيجة الغطرسة الإسرائيلية المفضوحة، وأكدت أن الرواية التي تتبناها أمريكا لم تعد مقبولة لدى الغالبية الكاسحة من المجتمع الدولي، لكن رغم هذا الانتصار المعنوي، يبقى السؤال عن مدى جدوى هذه القرارات وقدرتها على تغيير واقع المدنيين الذين يواجهون الجوع والموت داخل غزة.
النقطة الوحيدة الإيجابية في هذا الإجتماع، هي أن امتناع أمريكا عن الانضمام جعلها في مواجهة مع بقية أعضاء المجلس، وهذا يضعف حجتها لاحقًا إذا حاولت الدفاع عن إسرائيل في مؤسسات أخرى أو أمام الرأي العام العالمي، وهذا يضع إسرائيل تحت ضغط دولي متزايد، ويقوي موقف المطالبين بمحاسبتها في المحاكم الدولية (مثل محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية)، وربما تدفع هذه النتائج إلى جلسات جديدة لمجلس الأمن أو الجمعية العامة لصياغة قرار أكثر قوة، وإذا استمر التعطيل الأمريكي، يمكن نقل الملف إلى الجمعية العامة آلية “الاتحاد من أجل السلام” حيث لا وجود للفيتو، فيصدر قرار بأغلبية واسعة.
مصر من جانبها لم تغلق باب المساعدات قط، فهي تفتح معبر رفح من جهتها، وتؤكد أن من مصلحتها وصول الإمدادات للقطاع، وقدمت بالفعل الكثير من الغذاء والدواء والوقود رغم ظروفها الاقتصادية الصعبة، إلا أن المشكلة الجوهرية تكمن في تحكم إسرائيل بالجانب الآخر من معبر رفح، ما جعل مرور القوافل الإنسانية مرهونًا بغطرسة احتلال يواصل استهداف المدنيين ويستخدم الجوع كسلاح حرب.
غير أن أخطر ما تواجه القاهرة اليوم هو الضغوط المتصاعدة لتسليم معبر رفح لإدارة أممية أو دولية، ومثل هذا السيناريو لا يعني فقط تدويل الحدود المصرية، بل يفتح الباب لتحول المعبر إلى ممر ناعم لتهجير الفلسطينيين إلى سيناء تحت غطاء “الإجلاء الإنساني”، وقد يبدو حلًا إنسانيًا على الورق لكنه قد يتحول عمليًا إلى أداة سياسية لتصفية القضية الفلسطينية وإفراغ غزة من سكانها، ليجد الشعب المصري نفسه في قلب مؤامرة تستهدفه بقدر ما تستهدف الفلسطينيين.
إن تسليم المعبر لأي إدارة غير مصرية سيكون مساسًا مباشرًا بالسيادة، وفتحًا لثغرة حساسة على الحدود الشرقية لا يمكن التهاون فيها، هذا الطرح ليس بعيدًا عن خطط أمريكية–إسرائيلية–بريطانية تسعى لإعادة إنتاج سايكس–بيكو جديد، حيث يتم اقتلاع غزة من واقعها الديموغرافي والجغرافي، وتتحول سيناء إلى البديل القسري، إنها ليست فكرة عابرة، بل جزء من مشروع أوسع لتفكيك المنطقة وإعادة رسم خرائطها بقرارات ملتوية ومُغرضه تُصنع في الخارج.
ولذلك فإن الرد المصري الأمثل هو التمسك برفض التدويل وطرح بدائل عملية تحافظ على السيادة وتضمن تدفق المساعدات، وأبرز هذه البدائل هو الممر البحري من قبرص إلى غزة تحت إشراف دولي، أو ممر جوي يربط القطاع مباشرة بالعالم، بعيدًا عن قبضة الاحتلال، هذان الخياران ينقلان عبء الأزمة إلى المجتمع الدولي، ويضمنان وصول الغذاء والدواء إلى المدنيين بلا أن تتحول الحدود المصرية إلى أداة للتصفية السياسية.
في النهاية أقول: أن ما يجري ليس نقاشًا إنسانيًا بريئًا، بل مؤامرة ثلاثية تسعى لتكرار سايكس–بيكو بوجه جديد، المخطط واضح، وهو تحويل غزة إلى عبء على مصر، أكثر مما هو عليه الآن، وتصفية القضية الفلسطينية عبر بوابة سيناء، لكن مصر بتاريخها ووعي شعبها لن تسمح أن تمر هذه المؤامرة، ولن يكون معبر رفح أداة لاقتلاع فلسطين أو تقويض السيادة، والشعب المصر هو خط الدفاع الأول، وهو الضمانة أن سايكس–بيكو جديد لن يمر من سيناء.






