د. غادة قنديل تكتب: السياسي لا عمر له

دائمًا ما يتردد سؤال في الشارع السياسي: هل العمل السياسي مرتبط بسن معيّن؟ الحقيقة التي يجب أن نؤكدها أن السياسة لا تُقاس بالعمر، بل تُقاس بالقدرة على العطاء، وعمق الفكر، وصدق الانتماء للوطن. فالسياسة ليست وظيفة لها سن للتقاعد، وإنما رسالة ومسؤولية تتطلب وعيًا دائمًا، وإيمانًا مستمرًا، ورغبة حقيقية في خدمة المجتمع.
إن الشباب في كل المجتمعات يمثلون الطاقة المتجددة، والأمل الذي يحمل أحلام المستقبل. هم أكثر جرأة على التغيير، وأكثر تفاعلًا مع قضايا العصر، ولديهم القدرة على استخدام أدوات التكنولوجيا الحديثة لتوصيل صوتهم. لذلك كان تمكين الشباب أحد أهم توجهات الدولة المصرية في السنوات الأخيرة، حيث أفسحت القيادة السياسية أمامهم المجال عبر مؤتمرات الشباب، والأكاديمية الوطنية للتدريب، وإشراكهم في مواقع اتخاذ القرار.
وفي المقابل، يبقى للكبار دورهم الذي لا غنى عنه. فالحكمة المتراكمة عبر سنوات من التجربة، والرؤية المتأنية التي اكتسبوها من الاحتكاك بالمواقف المختلفة، تجعلهم بمثابة ميزان يضمن التوازن والاستقرار. كبار السياسيين هم الذين يربطون الماضي بالحاضر، ويمنحون الأجيال الجديدة خبرة الطريق ودروس الواقع.
إن العمل السياسي الناجح هو الذي يحقق التكامل بين الحلم والواقع، بين طموح الشباب وخبرة الكبار. فلا يمكن للوطن أن يتقدم إذا اعتمد على طرف واحد فقط، بل يحتاج إلى تكاتف جميع الأجيال تحت راية واحدة: خدمة مصر.
وعلينا أن ندرك أن العمر الحقيقي للسياسي لا يُقاس بعدد السنوات التي عاشها، وإنما بعدد المواقف التي خاضها دفاعًا عن وطنه، وبقدر ما قدّم من تضحيات لأجل مجتمعه. فالزمن قد يغيّر الملامح، لكنه لا يطفئ الإرادة، ولا ينتقص من القدرة على التأثير.
إننا في حاجة اليوم إلى ثقافة جديدة تنظر إلى العمل السياسي على أنه واجب وطني متاح للجميع، لا يحده سن ولا تُقيده سنوات. فالوطن يتسع للجميع، والأجيال المتعاقبة قادرة معًا على صناعة مستقبل أفضل، يليق بمصر ومكانتها العريقة.



