كل شيء بقدر وميزان .. بقلم الكاتب/ محمـــد الدكـــروري

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه و خليله وخيرته من خلقه، أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح الأمة، ومحا الظلمة وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك صلى الله عليه وعلى آله و صحبه ومن دعا بدعوته واقتدى بسنته إلى يوم الدين أما بعد اعلم أخي الكريم ” إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ” فراقب أفكارك لأنها ستصبح كلمات وراقب كلماتك لأنها ستصبح أفعال، وراقب أفعالك لأنها ستصبح عادات، وراقب عاداتك لأنها ستصبح شخصية، وراقب شخصيتك لأنها ستصبح مصير، واسأل نفسك دائما هذه الأسئلة من أنا ؟ وكيف وصلت إلى هنا ؟
والى أين أريد أن أذهب ؟ ولماذا أريد أن أذهب ؟ وماذا يقف في طريقي ؟ وكيف أتغلب عليه ؟ فعندما تغير طريقة تفكيرك تكون قد غيرت عالمك بأكمله، واعلم أن حياتك الآن من صنع أفكارك السابقة، ولا أحد يستطيع أن يسلبك النجاح إلا أنت بنفسك، واعلم أن التفكير هو أصل كل فعل فغير طريقة تفكيرك تتغير أفعالك، وإذا كان لديك رغبة حقيقية للتخلص من أي عادة مدمرة فإنك قد شفيت منها بالفعل بنسبة أكثر من خمسين بالمائة، واعلم أنه ليس هناك شيء قط في هذا الكون الضخم الواسع اسمه الصدفة، بل كل شيء بقدر وميزان وعناية وتدبير، وضبط وإحكام، وأن الحياة ليست لهوا ولا عبثا، بل ثمة تكليف ومسؤولية، ورسالة وبلاغ ومهمة وأمانة وثمة من بعد جزاء وحساب، ثم مآل أخير في جنة أو نار، ولقد كان مما فعلته تلك الصيحة وما تزال، هو إحداث نقلة ضخمة.
في حياة الناس، سددت إلى الشرور بأنواعها هزيمة مريرة، فما من ريب في أن أسس الحياة الجاهلية، وأعمدة الجور والبغي والعدوان، ودعائم الإثم والخطيئة والغرور، ودنيا المفاسد والشرور، لم تتزلزل بشيء قط، كما تزلزلت بتلكم الصيحة الخالدة الزهراء التي هتف بها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وهو وحيد منفرد، مجرد من القوى المادية، ينذر قومه على جبل الصفا بمكة المكرمة، ولقد أحلت هذه الصيحة الخالدة الغرّاء، بصنوف الشرور جميعا هزيمة منكرة، وضربتها ضربة موجعة أصابت كبد إبليس، فظل ينزف دما، وصديد كلوم عميقة غائرة وما يزال، ولقد كان من معاني تلكم الصيحة الطاهرة الربانية، العظيمة الخالدة أن الحياة ليست أجمة برية موحشة، ولا غابة ليس لها قانون ونظام، ولا ساحة مهملة، يصطرع فيها الناس ويقتتلون.
ويعدو فيها القوي على الضعيف، والكبير على الصغير، والقادر على العاجز، تركت هكذا من بعد أن خُلقت، بل حديقة منسقة، كل شيء فيها بعناية وترتيب، وغرستها عناية الله عز وجل، وقدرته الطليقة من كل قيد، وتعهدت تهذيبها وإصلاحها بالفطر الكريمة الخيّرة، والرسالات الهادية النيّرة، وجعلت الإنسان ريحانتها الطاهرة النفيسة، وكرّمته غاية التكريم، ورحمة الله عز وجل أعظم وأكرم وأوسع من أن تترك هذه الريحانة، تذبل وتصوح، وتدوسها الأقدام، وتعدو عليها الوحوش، وتخطفها الطيور، وتهوي بها الريح في مكان سحيق، وتستبد به الحيرة والضلال لذلك كانت العناية الإلهية تتعهد هذه الريحانة، وتمدها بالعون، وتقدم لها الغوث والرحمة والهداية، وتأخذ بها إلى سواء السبيل، فتأتي رسالات السماء، يتنزّل بها الوحي الأمين.
لتقودها إلى درب سعادتيها في الدنيا والآخرة، ولقد كان من عطاء تلكم الصيحة الزهراء، الوضيئة المتألقة، التي هتف بها على جبل الصفا بمكة المكرمة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وهداياها الكثيرة الكبيرة أن بدأت إرهاصات حضارة عملاقة ضخمة، يبنيها المسلمون، هي أكرم وأنبل وأشرف من حيث الغايات، ومن حيث الوسائل، ومن حيث الخصائص والسمات، وعلى مستوى المبادئ النظرية، وعلى مستوى التطبيق العملي، من كل حضارة أخرى شهدها الإنسان، منذ كان كون، ومنذ كانت حياة، ولم يمر وقت طويل عقب تلكم الصيحة الربانية، الوضيئة الزهراء، حتى كانت الحضارة الإسلامية، عبر أربع خلافات مسلمة كريمة وهم الراشدة والأموية والعباسية والعثمانية، تثبت وجودها الفعَّال في دمشق وبغداد وقرطبة والقاهرة والمغرب والأندلس والهند والقسطنطينية وغيرها من حواضر الإسلام المجيدة.






