أخر الأخبار

حينما يفتح الشيطان نوافذ النفس ويعمي الوعي  بقلم الكاتبة /سميرة حمود

حينما يفتح الشيطان نوافذ النفس ويعمي الوعي

بقلم الكاتبة /سميرة حمود

في مصر نتابع يوميًا أخبارًا تهز القلوب: أب يقتل أبناءه، أم تنهي حياة فلذات كبدها، زوج يفتك بزوجته أو زوجة ترفع السكين في وجه زوجها. مشاهد تقشعر لها الأبدان وتترك فينا سؤالًا مريرًا: كيف يصل الإنسان إلى هذه الدرجة من القسوة؟

إنها النفس حين تُغشى بالظلام، حين يمدّ الشيطان مخالبه من ثغراتها، فيعميها عن الحق ويقودها إلى الجريمة. يدخل الشيطان من أبواب الفقر وضيق الحال، ومن نوافذ الضغوط المتراكمة، فيزرع بذور المرض النفسي في تربة ضعيفة لم تجد سندًا ولا احتواء. وهكذا تنساق بعض النفوس وراء وساوسه، فتسقط في أبشع أشكال الانهيار.

لكن إن أدرنا أنظارنا إلى أوروبا، سنجد وجهًا آخر للمأساة. هنا لا يغلب الفقر كما هو عندنا، بل الوفرة هي السائدة، ومع ذلك الانتحار بالآلاف كل يوم! لماذا؟ لأن الوفرة لم تمنح الروح غذاءها، والحرية المطلقة لم تُروِ القلب بالمعنى. كل شيء متاح: المال، العلاقات، المتع… لكن بلا طعم. وحين تغيب القيم، ويغيب الهدف، تصبح النفس البشرية صيدًا سهلاً للشيطان، فتنهار تحت وطأة الفراغ النفسي.

إذن، سواء في الشرق أو الغرب، يبقى الإنسان هو الإنسان:

في مصر قد يهوي من شدة الفقر وضغوط الحياة.

وفي أوروبا قد يسقط من شدة الغنى وفراغ الروح.

والمحصلة واحدة: نفس بشرية تائهة، لم تعرف طريق الوسطية.

الوسطية ليست كلمة عابرة، بل هي سر النجاة. أن نبتعد عن الإفراط والتفريط؛ لا غنى مطلق يميت القلب ويقتل الطموح، ولا فقر خانق يحرم الإنسان من الكرامة. الوسطية هي أن نسمح للروح بالتنفس، وللعقل بالتوازن، وللجسد بالاعتدال.

الدين والوعي الروحي

الوسطية التي ندعو إليها ليست مجرد فكرة بشرية، بل هي جوهر رسالة السماء. فالله سبحانه قال: “وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وسَطًا”.

الدين حين يسكن القلب يمنحه المعنى والاتزان، فلا يطغى في غناه ولا ييأس في فقره، ولا يتجاوز حدود الحق في مشاعره وسلوكه. والوعي بالله هو الحصن الذي يحفظ الإنسان من وساوس الشيطان، لأنه يعلّمه أن لكل نفس قيمة، وأن لكل حياة غاية.

كيف نعيش الوسطية عمليا؟

1. في التفكير: لا نغرق في التشاؤم ولا في الأوهام الوردية، بل نرى الواقع بعين متوازنة، نبحث عن الحلول بدل الاستسلام.

2. في المشاعر: لا نكبت عواطفنا ولا نتركها تجرفنا، بل نُعبر عنها بوعي ونوجهها لما ينفع.

3. في الماديات: لا إسراف يرهقنا، ولا بخل يخنقنا، بل إنفاق بوعي يضمن لنا الكرامة ويمنحنا طمأنينة.

4. في الدين: لا تشدد يعزلنا عن الحياة، ولا تفريط يتركنا للهوى، بل التزام واعي يربطنا بالله بالحب لا بالخوف نفعل ما نستطيع ونتوكل على الله فقط.

حين نُمارس هذه الخطوات، نصنع وعيا يحمي أرواحنا من السقوط، ويجعلنا نزرع في قلوبنا أرضا خضراء قادرة على أن تُثمر خيرا لنا ولمن حولنا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى