الزهرة العناق تكتب: أمانة التربية في زمن الفتن

في زحمة هذا العصر الذي تتناوب فيه الأضواء الجذابة مع العتمات المخيفة، وتتشابك فيه الأصوات حتى يضيع صوت الفطرة، يظل القرآن الكريم منارة تهدي الحائرين وتوقظ الغافلين. ومن بين آياته المزلزلة للوجدان، يسطع النداء الإلهي:
{قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة}.
نداء يجعل من كل أب وأم حراس على أبواب الجنة، ومسؤولين عن ألا تزج الأرواح الضعيفة في جحيم النيران. إنها مسؤولية بحجم العمر، ورسالة تختبر بها إنسانيتنا قبل أن توزن أعمالنا.
الخطاب الإلهي لم يكن مجرد كلمات تلامس الآذان، بل كان زلزالاً يوقظ الضمائر ليدرك أن النجاة لا تشترى، بل تصنع بالصبر والجهاد والتربية، وأنها ليست فردية، بل مشروع يبدأ من البيت.
الأب والأم مربيان يغرسان في القلوب قيماً، و يصنعان في النفوس مناعة ضد الفتن و الإغراءات. واليوم، ونحن نعيش زمناً تتقاذفه الشهوات والشبهات، يزداد ثقل الأمانة: كيف نصنع لأطفالنا درعاً يقيهم من الانزلاق في سفاسف الأمور؟ كيف نغرس في قلوبهم بذور الرفعة حتى لا تستدرجهم إلى الباطل؟
المسؤولية تبدأ من البيت؛ حيث تسكب أول قطرة في نهر الشخصية. فالأب والأم معلمان صامتان، أفعالهم أبلغ من أقوالهم. فإذا عاش الطفل في بيئة تحترم القيم و تزهد في السفاسف، شب وهو يرى أن العظمة في طهارة القلب وعلو الهمة لا في المال ولا في الشهرة.
زمننا هذا مليء بالتفاهات: أضواء زائفة، سباق إلى شهرة عابرة، اندفاع خلف متع سريعة تتبخر مع أول نفخة من ريح الحقيقة. وهنا يبرز دور المربي الواعي: أن يعلم أبناءه أن المجد لا يبنى على اللهو، وأن السعادة ليست في التعلق بما يزول، بل في ثبات القلب على الحق وسمو النفس.
الانشغال بالتفاهات أشبه بمن يزرع شوكا في بستان أراد له أن يثمر ورداً، فلا ثمرة تجنى ولا جمال يبصر. أما حين يغرس في الأطفال حب العلم، وصدق الكلمة، ونبل السلوك، فإنهم يكبرون على عيون الحق، ويصبحون رجالاً ونساء يبنون مجتمعاً لا تقتحمه الفتن.
إن تربية الأبناء على ترك سفاسف الأمور ليس ترفاً، بل جوهر النجاة في زمن تباع فيه المبادئ بثمن بخس. ومن يزرع في قلب طفله حب الأخلاق و الفضيلة، يمنحه جناحين يعلو بهما فوق الفتن، وبصيرة تضيء له عتمات الطريق.
هكذا تتحقق الوقاية، وتصبح البيوت قلاعاً للإيمان لا تقتحمها رياح العبث. فليكن شعارنا: نربيهم لنقيهم، ونقيهم لنرقى بهم؛ وبذلك نكون قد أجبنا نداء السماء ووفينا أمانة العمر.
زمن الفتن لا يرحم الغافلين، لكنه يرفع المسؤولين الذين جعلوا بيوتهم حصوناً، و زرعوا في أبنائهم بصيرة تميز الغث من السمين، والحق من الباطل. فالطفل الذي ينشأ على ترك السفاسف يصبح رجلاً يملأ الحياة جدية وكرامة، وامرأة تصنع المجد و تفيض عفة ونقاء.
وهكذا يتجلى معنى الآية: أن الوقاية ليست خوفاً فردياً، بل مشروع حياة جماعي يبدأ من كل بيت، لينشئ مجتمعاً محصناً في وجه الفتن، قوياً أمام العواصف، ثابتاً على جادة الحق.



