محمود سعيد يكتب: التفاهة حين تتصدر المشهد .. قراءة شرعية وفكرية

في كل عصر تمر به الأمم، كان معيار النهوض أو السقوط هو قيمة الكلمة والعقل. فإذا ارتفعت مكانة العلم والفكر، علت الأمة، وإذا تسلط التافهون وتوارى أهل الرأي والبصيرة، تداعت أركان المجتمع وسقط في هاوية التخلف.
قال الله تعالى:
> ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ۗ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَـٰكِن لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 13]
فالقرآن فرّق بوضوح بين أهل العقل والإيمان وبين السفهاء الذين يسيطرون على المشهد بالباطل. كما قال سبحانه:
> ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 116].
وهذا تحذير من الانسياق خلف الأغلبية إذا كانت أغلبية جاهلة مائلة إلى الهوى والتفاهة
النبي ﷺ جعل معيار التفاضل في الكلمة النافعة، فقال:
> «إن من البيان لسحرًا، وإن من الشعر لحكمة» (رواه البخاري)
> «سيأتي على الناس سنوات خدّاعات، يُصدَّق فيها الكاذب، ويُكذَّب فيها الصادق، ويُؤتمن فيها الخائن، ويُخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة». قيل: وما الرويبضة؟ قال: «الرجل التافه يتكلم في أمر العامة» (رواه أحمد).
وهذا الحديث كأنه يصف واقعنا اليوم حين نجد أصحاب الكلمات الفارغة يتصدرون، بينما أهل العلم والفكر مغيبون.
قال الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
«متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا»، وهو دليل على أن قيمة الإنسان تُقاس بحرية فكره وكرامته، لا بانقياده للتفاهة.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
«قيمة كل امرئ ما يُحسن»، أي أن الإنسان يُرفع بقدر ما يقدمه من علم وفكر، لا بما يثير من ضحك ولهو.
الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين شدّد على أن العلم حياة القلوب، وأن الانشغال بالباطل موت للضمائر.
ابن تيمية قال: “الناس إذا تركوا الجهاد بالعلم والبيان وقعوا في الجهل والضلال”، مما يؤكد أن مواجهة التفاهة لا تكون إلا بالعلم.
ابن خلدون في مقدمته الشهيرة بيّن أن الأمم إذا غلبت عليها العوائد الفاسدة واللهو، ضعفت وانحلت حضارتها.
الشرع الحنيف يرفض أن تكون الغلبة للأصوات العالية الخاوية، ويؤكد أن الميزان الحقيقي هو العلم والحق. قال تعالى:
> ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]
فالذي يرفع الأمة ليس الراقص أو المهرج، بل العالم والمفكر الذي يهدي الناس سواء السبيل.
الأمة التي تنشغل بالتوافه وتترك العظماء تموت ببطء.
معيار التقدم هو تكريم أهل الفكر لا إقصاؤهم.
الديمقراطية لا تكون صالحة إلا إذا كان الناس على قدرٍ من الوعي، وإلا تحولت إلى أداة لسيطرة الجهلاء.
لقد نبّه القرآن والسنة والصحابة والفقهاء والعلماء عبر التاريخ إلى خطورة سيطرة التفاهة على عقول الناس. فحينما يتصدر “الرويبضة” المشهد، ويُقصى أهل الحكمة والعلم، تصبح الأمة على حافة الانهيار.
ولهذا فإن أعظم واجب على الأمة اليوم هو إحياء قيمة العلم والكلمة الهادفة، وإعلاء مكانة المفكرين والعلماء، لتستعيد الأمة نهضتها، وتتحرر من أسر التفاهة.






