الوطنية والرجل العجوز .. الكاتب/ محمـــد الدكـــروري

 

الحمد لله الذي نوّر بالقرآن القلوب، وأنزله في أوجز لفظ وأعجز أسلوب، فأعيت بلاغته البلغاء، وأعجزت حكمته الحكماء، أحمده سبحانه وتعالي وهو أهل الحمد والثناء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله المصطفى، ونبيه المرتضى، معلم الحكمة، وهادي الأمة، صلى الله عليه وعلى آله الأبرار، وصحبه الأخيار، ما تعاقب الليل والنهار، وسلم تسليما كثيرا، ثم أما بعد اعلموا بأن للمواطن حق على وطنه فله الحق في الحماية والأمن كذلك حرية الإعتقاد، والتعبير عن الآراء والمعتقدات، فضلا عن المشاركة السياسية بالإضافة إلى حقوقه الإقتصادية والإجتماعية، مثل العمل والسکن والرعاية الصحية، واعلموا أنه لا تقدر نعمة الوطن بالمال فقد روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله ” من أصبح منكم آمنا في سربه معافي في جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحزفيرها ”

وقيل أنه في قرية بسيطة وجميلة عاش رجل عجوز ذو لحية بيضاء طويلة وعينين لامعتين، وكان الرجل يحب قرية أحلامه، حيث نشأ وترعرعَ وذكرياته، وكان يرى فيها أجمل ما في الوجود، وذات يوم وصل إلى قرية العجوز رجل ثري من المدينة الكبيرة ورأى الرجل الثري في العجوز فرصة لا تعوض، فقد كان يمتلك منزلا خشبيا قديما يقع في مكان هادئ ومنعزل، ويحتوي على كنوز قيمة، فقال الرجل الثري للعجوز يا جدي، سأمنحك كل ثروتي وكل ذهبي، إذا تنازلت لي عن هذا المنزل والخشب، فكر العجوز طويلا، ثم قال بثقة يا ولدي لن أبيع وطني، هذا المكان ليس مجرد منزل وخشب، بل هو مهد طفولتي ومسكن أحلامي، وفيه ذكريات آبائي وأجدادي، لا أستطيع أن أبيع هذا الكنز مقابل أي مال في العالم، فأدرك الرجل الثري حجم حب العجوز لوطنه.

فقرر أن يتنازل عن كل شيء مقابل أن يشاركه العجوز في بيته ويتعلم منه كيف يعيش حياته بكل حب وسعادة، وتعلمنا هذه القصة أن حب الوطن لا يقاس بالمال، بل هو شعور عميق بالإنتماء والتضحية من أجل أرض الأجداد والأحفاد، وإن أغلى ما يملك المرء هما الدين والوطن، وما من إنسان إلا ويعتز بوطنه لأنه مهد صباه ومدرج خطاه ومرتع طفولته، وملجأ كهولته، ومنبع ذكرياته، وموطن آبائه وأجداده، ومأوى أبنائه وأحفاده، حتى الحيوانات لا ترضى بغير وطنها بديلا، ومن أجله تضحي بكل غالى ونفيس، ولقد وقف النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب مكة المكرمة مودعا لها وهي وطنه الذي أخرج منه، فقد روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكة “ما أطيبك من بلد، وأحبك إليّ، ولولا أن قومي أخرجوني منكى ما سكنت غيرك” رواه الترمذي.

فقد قالها بلهجة حزينة مليئة أسفا وحنينا وحسرة وشوقا، مخاطبا إياها “ما أطيبك من بلد” ولولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معلم البشرية، يحب وطنه لما قال هذا القول الذي لو أدرك كل إنسان مسلم معناه لرأينا حب الوطن يتجلى في أجمل صوره وأصدق معانيه، ولأصبح الوطن لفظا تحبه القلوب، وتهواه الأفئدة، وتتحرك لذكره المشاعر، فالوطن هو المكان الذي نشعر فيه بالسعادة والأمان، وهو أغلى ما نملك ولا يمكن بيعه بأي ثروة في العالم، وحب الوطن غريزة بقلب كل إنسان، والوطن ليس مجرد مكان، إنه أمان وإطمئنان، ترعرع الإنسان على ترابه وكبر بجانب علمه الثابت، فكم من قلوب تمكن ورسخ فيها عشق الأوطان منذ الصغر، فباتت تحمل بين جنباتها حبا لا ينتهي وعشقا لا يذوي مهما طال البعاد، ينبت الأفراد في أوطانهم كما الزهرة التي لا يمكن لها أن تقطف.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى