نصر أكتوبر .. بقلم الكاتب/ محمد كمال قريش

 

    أشعر هذا العام، وفي هذا اليوم تحديدًا، ذكرى انتصار السادس من أكتوبر المجيد، بنشوة مختلفة عن كل عام.

    إنّ ما يعيشه الأشقاء في فلسطين منذ عامين، ويعيشه لبنان وسورية واليمن، وتعيشه الأمة الإسلامية والعربية، وكل حر فيها، من ألم ومعاناة ومشاعر مثل الاكتئاب والإحباط والخزي والذل والعار والجبن، يعزز الآن من مشاعر السعادة والفخر.

    بمقاييس العسكرية، ما قام به الجيش المصري هو معجزة: قناة مائية منيعة، خطوط دفاعية قوية وحصينة، ترسانة أسلحة حديثة ومتنوعة، جسور جوية، مخازن أسلحة مفتوحة، إمدادات حربية واستخباراتية ولوجستية، وفوق هذا كله، غرور وعنجهية وثقة عدو قال عن نفسه إنه لا يُقهر، أدت في المقابل إلى تحطيم معنويات جنود وضباط الجيش المصري وأفقدتهم الثقة في أنفسهم، مما صور لهم توجيه ضربة للعدو وتحرير الأرض ضربًا من الجنون وشيئًا من المحال، حتى إن الشعب أصيب بما أصاب الجيش من يأس وبؤس. فلقد كانت لهزيمة يونيو عام 67 أثر بالغ كبير في النفوس.

    تلك حرب لم تسترد بها مصر أرضها فحسب، بل استرد فيها الجيش المصري والجندي العربي كرامته ووضعه العسكري. وتم تصنيف الجيش المصري ضمن أقوى جيوش المنطقة والعالم. قالت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية: “احتفاظ المصريين بالضفة الشرقية للقناة يعد نصرًا ضخمًا لا مثيل له، تحطمت معه أوهام الإسرائيليين بأن العرب لا يصلحون للحرب.”

    قال شموائيل جونين، قائد جيش الكيان في جبهة سيناء: “الجندي المصري كان يتقدم نحونا، ولا يُقهره الرصاص الذي نطلقه عليه.” ها هو العدو نفسه يُكذب أسطورته التي قالها حتى صدقها، ويُخبر نفسه قبل العالم بمن هو الجيش الذي لا يُقهر.

    وقال بيير ميسمير، رئيس وزراء فرنسا الأسبق: “دخل العالم نتيجة لحرب أكتوبر في مرحلة اقتصادية جديدة، ولن تعود أحوال العالم إلى سابق عهدها قبل هذه الحرب.”

    تلك حرب أثرت في العالم ومجرياته، وأبدلت نظرته وفكرته عن الشرق. قالت صحيفة الديلي تليجراف البريطانية: “حرب أكتوبر غيرت مجرى التاريخ بالنسبة لمصر وبالنسبة للشرق الأوسط بأسره.”

    واعترف موشيه ديان، وزير دفاع الكيان الأسبق، نفسه بفظاعة الحرب، فقال: “هذه حرب صعبة، معارك المدرعات فيها قاسية، ومعارك الجو فيها مريرة. إنها حرب ثقيلة بأيامها وثقيلة بدمائها.”

    تلك حرب نظامية طويلة فرضها الجيش المصري على العدو، لم تكن مثل حرب 67 الاستباقية والفجائية والخادعة، التي دمر فيها جيش الكيان الجيش المصري وهو في مكانه. فرض الجيش المصري على العدو المواجهة المباشرة، وهذا أمر لم يعتده.

    تفوق الجيش المصري عسكريًا واستخباراتيًا. قال هنري كيسنجر، وزير خارجية الولايات المتحدة الأسبق: “فاجأتنا حرب أكتوبر على نحو لم نكن نتوقعه، ولم تحذرنا أية حكومة أجنبية بوجود أي خطط محددة لأي هجوم عربي.”

    هذا فشل استخباراتي لأقوى أجهزة الاستخبارات في العالم، ونجاح استخباراتي مصري ساحق.

    كما أكدت على هذا جولدا مائير، رئيسة وزراء الكيان حينها، بقولها: “لا أحد يدرك في هذا البلد عدد المرات التي وصلتنا فيها خلال عام 1973 معلومات من المصدر نفسه تفيد بأن الحرب ستنشب في يوم أو في آخر دون أن تنشب بالفعل.”

    حرب أكتوبر ليست مجرد حرب، بل ضربة أجهضت خطط العدو في الشرق الأوسط، وأوقفت وأرجأت أطماعه وطموحاته، وجعلته يتوقف ويتراجع ويعيد حساباته.

    نحن لم نجلس للتفاوض وعقد الاتفاقيات مع الكيان في كامب ديفيد، بل جلسنا مع الولايات المتحدة، القوة العظمى الأولى في العالم، التي أجبرتها شجاعة وجرأة وإرادة المقاتل المصري على وقف إطلاق النار والتفاوض.

    ذلك نصر ساحق، من بعد هزيمة ساحقة. وما جعله معجزة وجعل العالم كله ينبهر، أنه تم خلال ست سنوات فقط، هذه الفترة القصيرة التي أُعيد خلالها بناء الجيش المصري المحطم عسكريًا ومعنويًا، وإعداده إعدادًا لا نظير له. وهذا إن دل فإنما يدل على شجاعة وإرادة المصريين التي لا تعترف بالمستحيل، مثلما كان يقول من يفكر في العبور حينها.

    فخور كوني مصريًّا أنتمي إلى هذا البلد، فخور وسعيد ومنتشي بكل وأي صورة للحرب، وتتملكني رغبة عارمة بأن يراها العالم كله.  سعيد بالنصر جدًا، ويحق للعرب جميعًا أن يسعدوا، وبإمكانكم تصور شكل ووضع الشرق الأوسط لو لم تكن هناك حرب أكتوبر… عربدة صهيوأمريكية أكثر من الآن بآلاف المرات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى