عندما أغارت قبيلة عبس على قبيلة فزارة .. الكاتب / محمـــد الدكـــروري

الحمد لله إقرارا بوحدانيته، والشكر له على سوابغ نعمته، اختص بها أهل الصدق والإيمان بصدق معاملته، ومن على العاصي بقبول توبته، ومد للمسلم عملا صالحا بوصيته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته وألوهيته، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المفضل على جميع بريته، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد ذكرت المصادر التاريخية أن قيس بن زهير بن جذيمة العبسي صاحب الفرسين داحس والغبراء، بعد أن قتل إبن حذيفة بن بدر بسبب الرهان علي الفرسين ذهب إلي بلاد عبس، وقيل إن بلاد عبس كانت قد أجدبت فإنتجع أهلها بلاد فزارة، وأخذ الربيع بن زياد جوارا من حذيفة بن بدر وأقام عندهم، فلما بلغه مقتل مالك بن زهير أخو قيس، قال لحذيفة لي ذمتي ثلاثة أيام.
فقال حذيفة ذلك لك، فإنتقل الربيع من بني فزارة، فبلغ ذلك حمل بن بدر فقال لحذيفة أخيه، بئس الرأي رأيت قتلت مالكا وخليت سبيل الربيع، والله ليضرمنها عليك نارا، فركبا في طلب الربيع ففاتهما، فعلما أنه قد أضمر الشر، وإتفق الربيع وقيس وجمع حذيفة قومه وتعاقدوا على عبس وجمع الربيع وقيس قومهما وإستعدوا للحرب، فأغارت فزارة على بني عبس فأصابوا نعما ورجالا، فحميت عبس وإجتمعت للغارة، فنذرت بهم فزارة، فخرجوا إليهم فالتقوا على ماء يقال له العذق، وهي أول وقعة كانت بينهم، فاقتتلوا قتالا شديدا، وقتل عوف بن يزيد، وقتله جندب بن خلف العبسي وإنهزمت فزارة وقتلوا قتلا ذريعا، وأسر الربيع بن زياد حذيفة بن بدر، وكان حر بن الحارث العبسي قد نذر إن قدر على حذيفة أن يضربه بالسيف، وله سيف قاطع يسمى الأصرم.
فأراد ضربه بالسيف لما أسر وفاء بنذره، فأرسل الربيع إلى إمرأته فغيبت سيفه ونهوه عن قتله وحذروه عاقبة ذلك فأبى إلا ضربه فوضعوا عليه الرجال، فضربه فلم يصنع السيف شيئا وبقي حذيفة أسيرا، فإجتمعت غطفان وسعوا في الصلح، فإصطلحوا على أن يهدروا دم بدر بن حذيفة بدم مالك بن زهير، ويعقلوا عوف بن بدر، ويعطوا حذيفة عن ضربته التي ضربه حر مائتين من الإبل، وأن يجعلوها عشارا كلها، وأربعة أعبد، وأهدر حذيفة دماء من قتل من فزارة في الوقعة وأطلق من الأسر، فلما رجع إلى قومه ندم على ذلك وساءت مقالته في بني عبس، وركب قيس بن زهير وعمارة بن زياد فمضيا إلى حذيفة وتحدثا معه، فأجابهما إلى الإتفاق وأن يرد عليهما الإبل التي أخذ منهما، وكانت توالدت عنده، فبينما هم في ذلك إذ جاءهم سنان بن أبي حارثة المري.
فقبح رأي حذيفة في الصلح وقال إن كنت لا بد فاعلا فأعطهم إبلا عجافا مكان إبلهم وإحبس أولادها، فوافق ذلك رأي حذيفة، فأبى قيس وعمارة ذلك، وقيل إن الإبل التي طلبوها منه هي إبل كان قد أخذها سبقا من قيس وقيل أيضا إن مالك بن زهير قتل بعد هذه الوقعة المذكورة، وجعل سنان يحث حذيفة على الحرب فتيسروا لها، ثم إن الأنصار بلغهم ما عزموا عليه، فإتفق جماعة من رؤسائهم وهم عمرو بن الإطنابة ومالك بن عجلان وأحيحة بن الجلاح وقيس بن الخطيم وغيرهم، وساروا ليصلحوا بينهم فوصلوا إليهم وترددوا في الإتفاق، فلم يجب حذيفة إلى ذلك وظهر لهم بغيه فحذروه عاقبته وعادوا عنه، وأغار حذيفة على عبس وأغارت عبس على فزارة وتفاقم الشر وأرسل حذيفة أخاه حملا فأغار وأسر ريان بن الأسلع بن سفيان وشده وثاقا وحمله إلى حذيفة.
فأطلقه ليرهنه إبنيه وجبير بن أخيه عمرو بن الأسلع، ففعل ريان ذلك ثم سار قيس إلى فزارة فلقي منهم جمعا فيهم مالك بن بدر، فقتله وإنهزمت فزارة، فأخذ حينئذ حذيفة ولدي ريان فقتلهما وهما يستغيثان يا أبتاه حتى ماتا وأما ابن أخيه فمنعه أخواله.



