تغليف القلوب و تجميدها .. الكاتبة: الزهرة العناق

 

حين تتكرر الخيبات حتى تفقد الأرواح قدرتها على الدهشة، يبدأ الإنسان رحلة التحصين البطيئة لقلبه. لا يعلنها حربا ولا يرفع راية انكسار، بل ينسج حول مشاعره غلافا سميكا من الصمت، كأنه يدفن وردة في زجاج أنيق، يخشى عليها من الذبول، فيحرمها من الهواء والماء معا.

يبدأ الأمر بلمسة حذر صغيرة، ثم يتسع شيئًا فشيئًا حتى يغدو القلب قارة جليد ساكنة. لا ريح تحركها، ولا شمس تذيبها، ولا دفء يجرؤ على الاقتراب. يغدو الإنسان محايدا في حضرة الحياة؛ لا يفرح كثيرا، ولا يحزن كثيرًا، كأن الزمن يسير من حوله وهو واقف في منتصف المسافة بين الشعور و اللاشعور.

لكن هذا التغليف ليس دائما فعل قسوة، بل أحيانا هو صرخة دفاع صامتة. فالقلب الذي ذاق لسعات الخيبة لا يريد أن يلدغ مرتين. إنه يجمد نفسه ليبقى حيا بطريقة أخرى؛ حياة دون حرارة، لكنها بلا ألم أيضا. فكم من قلب نجا بالتجميد، وكم من قلب احترق لأنه ظل يذوب حبا في غير موضعه.

ولعل أقسى ما في تغليف القلوب، أن الإنسان حين يعتاد بردها، ينسى ملامح دفئه القديم. يظن أنه بخير، بينما هو يعيش على هامش الشعور، يسمع موسيقى الحياة دون أن يرقص معها، يرى الجمال دون أن يبتسم له. يصبح صلبا من الخارج، هشا من الداخل، كبلور يتوهج بالضوء لكنه يتهشم بأول لمسة حقيقية.

وما لا يدركه الكثيرون أن الجليد لا يحفظ القلوب للأبد، بل يقتلها ببطء. فالمشاعر التي تكبت تتجمد، والمشاعر التي تتجمد تتحلل، والمشاعر التي تتحلل تطفئ في الإنسان معناه. لهذا، لا خلاص من هذا الغلاف إلا بقطرة دفء صادقة، تذيب صقيع الحذر، وتعيد إلى القلب خفقانه الأول.

حينها فقط، يفهم المرء أن الحب ليس خطرا كما ظن، وأن الألم جزء من النضج، وأن العواطف مهما أوجعت، تبقى الدليل الأجمل على أننا أحياء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى