نتاج تخلف التربية الذاتية .. بقلم / محمـــد الدكـــروري

الحمد لله الذي جعل حب الوطن أمرا فطريا والصلاة والسلام على من ارسله الله تعالى رسولا ونبيا وعلى آله وصحابته والتابعين لهم في كل زمان ومكان، أما بعد ذكرت المصادر التعليمية والتربوية، أن البرامج الجماعية تفتقر إلى تفاعل الفرد معها حيث تتاح للإنسان مناسبات وفرص جماعية تحقق له قدرا كبيرا من الاستفادة، لكنه لا يمكن أن يستفيد منها ما لم يتفاعل معها، حيث قال عز وجل ” أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها” فالماء النازل من السماء واحد، لكن الأدوية تتفاوت فيما تحمله منه، فكل وادي يحمل على قدر سعته، وهكذا القلوب تتفاوت بما تتلقاه من وحي الله جل وعلا، وتتفاوت في أثر هذا الوحي عليها كما تتفاوت هذه الوديان، وشبه النبي صلى الله عليه وسلم الوحي الذي أتى به وتلقي الناس منه تشبيها قريبا من ذلك، فقال.
” مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به” متفق عليه من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، ويحدثنا القرآن الكريم عن نماذج من نتاج تخلف التربية الذاتية ” وضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين” ولقد كانت هاتان المرأتان زوجتين لنبيين من أنبياء الله.
ولابد أن نوحا ولوطا عليهما السلام بذلا معهما جهدا في دعوتهما إلى الدخول في دين الله تعالى، ولكن حين لم يكن منهما مبادرة ذاتية لم ينتفعا بذلك الجهد وتلك الدعوة، ويبذل الرسول صلى الله عليه وسلم جهده مع عمه أبي طالب حتى عند مرض الموت، وحين لم يكن من أبي طالب مبادرة ذاتية لم يستفد من الجهد الذي بُذل له، وفي عصر النبي المصطفي صلي الله عليه وسلم كان هناك فئة من المنافقين يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم الجمعة ويشهدون معه مجالس الخير، ويذهبون معه في السفر والإقامة، ويشهدون معه بعض الغزوات، فيعيشون مع النبي صلى الله عليه وسلم كما يعيش معه سائر أصحابه، يتلقون من نفس القنوات التربوية التي يتلقى منها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، بل لعل بعض المنافقين كانوا أكثر حضورا لمجالسه من بعض أصحابه.
ومع ذلك لم ينتفعوا بشيء من ذلك أبدا، واعلموا يرحمكم الله إن البشر أيا كانوا لا يخلون من سلبيات وجوانب من القصور، فهذا أستاذ لي أثق فيه وألازمه وأصاحبه وأحضر مجلسه وربما أصاحبه في سفر وذهاب وإياب وأرى فيه قدوة ظاهرة أمامي وأتمنى أن أكون مثله أو أن أسير على خطاه فهل يعني ذلك أن يسلم من القصور والضعف؟ فقد يكون لديه نوع من قسوة القلب، وقد يكون عنده نوع من سوء الخلق وعدم حسن التعامل مع الآخرين، وقد يكون إنسانا متعجلا، فلابد أن تكون فيه صفة سلبية وجوانب قصور، وحينما يكون الشاب مجرد ظل لغيره، فإنه سيحمل سلبيات من يربيه، بالإضافة إلى سلبياته هو، فحين يكون الشاب يعاني من صفة سلبية كالكسل مثلا، ووجد وتربى في بيئة يكثر فيها الهزل، فسيجمع بين الصفتين، وهكذا في سائر الأمراض جوانب القصور.






