نادية هارون تكتب:إعادة الحياة قبل الإعمار

لم تكن غزة في حاجة إلى الأسمنت والحديد بقدر حاجتها إلى نسمة حياة، إلى من يمد لها اليد قبل أن تُمد لها المساعدات، وحين مدت مصر يدها، لم تكن تفعل ذلك بوصفها جارًا، بل بوصفها قلبًا ينبض بالعروبة، وضميرًا ما زال يتذكر أن الدم الفلسطيني جزء من نهر النيل نفسه.

ما قامت به القاهرة لم يكن مجرد وساطة أو مفاوضات لوقف النار، بل إعادة نبضٍ إلى قلبٍ توقف، وإحياء لروحٍ أنهكتها الحروب، وإعادة الفرحة لوجوه حفرت الدموع مجراها عليها، مصر لم تنتظر الإعمار لتتحرك، بل أعادت الحياة نفسها — الكهرباء والماء والدواء والهواء، قبل أن تأتي المعونات والمشاريع والمقاولين.

في لحظات الشدّة، أثبتت مصر أنها الدولة التي تقرأ خرائط المنطقة بعينٍ لا تخطئ، تعرف أين التوازن، وأين الخط الأحمر، وأين الفرصة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لم تترك غزة لقسوة الحصار، ولا للمزايدات السياسية، بل وضعت القيم الإنسانية في قلب القرار السياسي، فجمعت بين الدبلوماسية والعاطفة الوطنية، بين القوة والرحمة، بين صوت العقل وصوت الضمير.

ومع انطلاق قطار التهدئة، عادت شرم الشيخ لتؤكد مكانتها كمنصة سلام عالمية، فبالأمس إستضافت المؤتمر العالمي للشباب، واليوم تستضيف صُنّاع القرار الدولي، إستمرارًا لتاريخها في إحتضان القمم العربية والإقتصادية ومؤتمرات المناخ، لتبقى رمزًا لمصر التي تصنع الحوار لا الصدام.

لقد أدركت القوى الإقليمية والدولية أن من يتحدث باسم الحياة في غزة هو من يملك مفاتيح التوازن في المنطقة، ومصر اليوم — بما تملكه من ثقل سياسي وموقع جغرافي وتاريخ من الصبر والعمل — ليست مجرد وسيط، بل ركيزة إستقرار في عالمٍ مضطرب.

وإذا كانت الدول تُبنى بالإعمار، فإن الشعوب تُبعث بالحياة، ومصر إختارت أن تعيد الحياة قبل أن تعيد الإعمار، لتبقى غزة شاهدة على أن الإنسانية، حين تسكن السياسة، تصنع المعجزات.

أما الذين حاولوا أن يحتكروا صوت غزة تحت رايات حزبية ضيقة، فقد إنكشفت نواياهم، فدور مصر لا يقرره قادة حماس الذين أنكروا الجميل، فالشعب الغزّي قال كلمته حين رفع العلم المصري إلى جوار العلم الفلسطيني وغنّى لمصر في إحتفالاته، عرف من وقف معه حقًا ومن إتخذ قضيته تجارة، ومصر — التي تعمل بصمت ولا تنتظر حمداً ولا شكوراً — تعرف أن هذه القيادات التي فقدت أهم مصادر تمويلها المشبوه، لم تعد تمثل غزة لا اليوم ولا بالأمس، وربما أجمل ما ستنعم به غزة في القادم من الأيام هو تحررها من حماس، لتعود إلى حضن الحياة، لا إلى ظلال الشعارات.

وفي النهاية أقول:
كل التهاني لأهلنا في غزة الذين صبروا وصمدوا، فكانوا عنوانًا للإرادة والكرامة، مبروك لكل بيت عاد إليه الأمان، ولكل أم إحتضنت أبناءها بعد ليلٍ طويل من الخوف، مبروك لغزة التي أعادت صوتها بالفرح لا بالسلاح، ومبروك لمصر التي كانت — وما زالت — الحارس الأمين على بوابة الحياة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى