المراهق بين الحاضر والماضي .. بقلم الكاتبة/ الزهرة العناق
يقال إن المراهقة جسر بين ضفتين؛ ضفة الطفولة التي تتلاشى ملامحها شيئا فشيئا، و ضفة النضج التي لم تكتمل أركانها بعد. وعلى هذا الجسر تتماوج الخطوات بين الحذر و الاندفاع، بين حلم يتشكل و واقع يفرض سلطته.
لقد تغير وجه المراهقة كما تغير وجه العالم. مراهق الأمس كان يستيقظ على بساطة الحياة، يحمل في قلبه طموحا كبيرا، و في عقله حدودا رسمتها القيم و التقاليد، أما مراهق اليوم فيستيقظ على ضوء الشاشات، و تغمره أمواج المعلومة قبل أن يستيقظ وعيه تماما.
في الماضي، كانت المراهقة بداية لتحمل المسؤولية؛ كان الشاب يرى في عمله و مساعدته لأهله علامة على الرجولة، و كانت الفتاة تعرف بالنضج حين تجيد حفظ أسرار البيت و تظهر الاتزان و الحياء. أما اليوم، فقد اتسعت المفاهيم و ضاقت القيم عند البعض؛ أصبح المراهق يبحث عن ذاته في فضاءات افتراضية، و يقيس قيمته بعدد الإعجابات و المتابعين، متناسيا أن القيمة الحقيقية تستمد من الداخل، و ليس من الأضواء الزائلة.
و مع ذلك، لا يجوز أن نحاكم المراهقين بقسوة أو نحملهم وزر الزمن. فهم أبناء عصر متشابك، تغريهم السرعة و تغرقهم المقارنات، لكنهم يحملون في داخلهم ذات البراءة التي حملها مراهق الأمس، و ذات الظمأ للحرية و الاكتشاف. كل ما يحتاجونه هو توجيه واضح، و قلوب تستمع قبل أن تحكم، و أعين ترى فيهم بذور المستقبل وليس أخطاء الحاضر.
إن المراهقة ليست مرحلة خطر بقدر ما هي مرحلة بحث عن المعنى، ومتى وجدت القدوة، واشتد عود الوعي، أزهرت فيها أجمل الطاقات. فمراهق اليوم، إن أحسن احتواءه، قد يصبح قائد الغد، وصوت الإصلاح في زمن يضج بالتناقضات.
وهكذا، تبقى المراهقة بين الماضي و الحاضر مرآة لروح الإنسان في مسيرته نحو النضج؛ تتبدل الأشكال و تختلف الأدوات، لكن القلب واحد، و العطش إلى الفهم والبقاء جميلا واحد لا يتغير.






