نادية هارون تكتب: حماس.. وإعادة التدوير

كل من يظن أن حماس ستنتهي فهو لا يعرف طبيعة الجماعات التي خرجت من عباءة الإخوان، فهذه الجماعة لا تموت بالضربات، بل تتكاثر تحت الركام، وتعيد إنتاج نفسها من الفوضى، فهي كالمرض المزمن، قد تُسكته المسكنات السياسية، لكنه لا يخرج من الجسد إلا بخروج الروح.
حماس لا تفكر بمنطق الوطن، بل بمنطق الغنيمة، ولا ترى في غزة سوى ساحة نفوذ، ولا تعبأ بدمارها طالما بقيت رايتها مرفوعة فوق الركام.، وستقبل أن تحكم المقابر، ولن تسمح بغيرها على الكرسي حتى لو كانت غزة جثة عن بكرة أبيها، كل إتفاق أو تهدئة أو لجنة تكنوقراط لن تُقنع حماس بالتنازل عن موقعها، لأنها لا تعرف الحياة خارج السلطة، ولا تعيش إلا وسط الأزمات.
اليوم قد تنسحب تكتيكياً من المشهد، وقد تختفي الوجوه القديمة وتظهر وجوه جديدة تتحدث بلغة ناعمة عن “الإصلاح” و”الاعتدال”، لكن الجوهر لن يتغير، سيصعد الصف الثاني ليُعيد المشهد ذاته بثوب مختلف، كما فعلت كل فروع الإخوان في مراحل الضعف، التبدّل في الشكل لا يعني التغيير في العقيدة، بل هو مراوغة باردة تحفظ للتنظيم بقاءه تحت أي ظرف.
ثم لا يجب أن نغفل عن حقيقة أكثر مرارة وهي أن إسرائيل نفسها قد تُغيّر استراتيجيتها في التعامل مع حماس، فالتنظيم الذي أُستُخدم يوما لتقسيم الصف الفلسطيني ما زال ورقة يمكن تحريكها متى شاءت تل أبيب، فحين تحتاج إلى ذريعة أمنية تُبقي على الحصار أو تُفرغ الدولة الفلسطينية من مضمونها، قد تُبقي على حماس في المشهد لا قوية بما يكفي للتهديد، ولا ضعيفة بما يكفي للاختفاء، وربما لا يتوقف التمويل غير المباشر عبر قنوات تضمن إستمرار اللعبة تحت لافتة “المساعدات” أو “الرواتب” أو “الإغاثة”، فكلها أدوات لضبط الإيقاع وليس لإنهاء النغمة.
الرهان على زوال حماس رهان ساذج، القوة العسكرية قد تُنهكها، والضغوط الدولية قد تُقيدها، لكن الفكرة التي تعيش في الفراغ ستبقى، ما دام البديل الوطني غائبا، وما دامت السلطة في رام الله ضعيفة، والشعب محاصر بين فقرٍ وإحباطٍ ووعودٍ لا تُشبع جائعا.
إن المعركة مع حماس ليست معركة بندقية، بل معركة وعي، لا تُهزم الجماعات المؤدلجة إلا ببناء دولة قوية تُغني المواطن عن الشعارات، وترد له كرامته دون وسطاء ولا تجار مقاومة، أما من يظن أن غزّة ستُدار دون معالجة هذا المرض في عمقها، فسيكتشف أن السرطان لم يُستأصل، بل انتقل من عضوٍ إلى آخر.
في النهاية أقول: ما لا يكتبه الساسة عن معاناة شعبٍ تدور قصصه من بين الركام، أطفالٌ يولدون في العتمة، وأمهاتٌ يبحثن عن ضوءٍ يرمم الذاكرة، ومدينةٌ تتنفس بصعوبة بينما يتنازع عليها الجميع، ولا يسمع أحد أنينها إلا من يعيش بين رمادها، إن حماس تحتاج قوة من الخارج وهبّة شعب من الداخل.






