بقلـــم : أحمــد شـادي .. رحلــة النهــــوض

قررت أن أسير مسرعًا باتجاه صوت غريب، فأمسك صديقي بذراعي طالبًا مني الهدوء والتَّرَوِّي.
نظرت إليه مستنكرًا هذا الهدوء، فهو ليس من عاداتي.
فانطلقت مسرعًا إلى مصدر الصوت وتركْتُ صديقي خلفي حتى توارَيتُ عن عينيه، فسقطت فجأة في حفرة عميقة لا أستطيع الخروج منها.
جلس على حافة الحفرة ينظر إليَّ بهدوئه وسألني: ما الذي جعلك تسير مندفعًا هكذا يا صديقي؟
نظرت إليه بغيظ شديد قبل أن أسأله بنبرة حادة
أن يُخرجني من هذا المكان.
فتركني ورحل.
فصرخت: هل تعاقبني على اندفاعي؟!
هل تعتقد أني سقطت لأني لم أسمع نصيحتك؟!
سألته بعد صرخة كادت شرايين رأسي تنفجر بسببها، ومع ذلك لم يُجبني!
فتلفَّتُّ حولي، وقد أخرج الغيظ دخانًا من كل جوانبي.
وركلت جدران الحفرة حتى كادت قدماي تنكسر، وأخذت أجول في الحفرة كالمجنون مستشيطًا، أصرخ بأعلى صوت من خيانة صديق.
فلما خارت قواي جلست ونظرت إلى السماء مشفقًا على نفسي.
عندما أخرج، سأنتقم منه.
هذا ليس صديقًا.
لن أعرفه مرة أخرى.
صرخة قوية بداخلي: كيف فعل ذلك؟
أصابني إحباط ممزوج باكتئاب أثقل رأسي وأتعب جسدي، فنمت!
سمعت صوتًا خافتًا: لا بد أن تنهض، فقاع الحفرة ليس مكانًا تنام فيه.
ولكن هذا الصوت لم يكن كفيلاً كي أنهض من مكاني.
فصوت آخر يسيطر على روحي، يهاجمني بكل ضراوة،
يسألني وكأني متهم بجريمة!
ما هو الصوت الذي سمعته؟!
ولماذا دائمًا تندفع هكذا؟!
ألم ترَ هذه الحفرة؟!
دائمًا تسقط وتسقطنا معك؟!
فهممت بصوت وهمهمت بأن صديقي كان محقًّا، يجب أن أكون أكثر هدوءًا.
فصرخ الصوت قائلًا: أي صديق؟! أنت وحيد، ليس لديك أصدقاء.
ما هذا؟! ما لي هكذا؟! كأني أُصارع الأمواج، كلما خرجت مني كلمة وجدت أمواجًا من الكلام ترتفع لتغرقني!
نهضت وجلست منهكًا، لا أستطيع رفع رأسي، وأكتافي كأنها محمَّلة بجبال رمال، وعيناي لا ترى إلا قاع الحفرة.
“انهض”
هذا صوت صديقي، فرفعت رأسي إلى أعلى، فوجدته جالسًا يمد يديه إليَّ!
تعجبت وغضبت: ما هذا؟! أتهزأ بي؟!
الحفرة عميقة ويداكا بعيدة جدًا!
لماذا لم تُحضِر حبلاً أو سلّمًا؟!
رد قائلًا: أي حبل وأي سلّم في هذه الصحراء يا صديقي ونحن نبتعد كثيرًا عن مزرعتك؟!
فغضبت بشدة وصرخت فيه: أنت لا تريد مساعدتي!
ولماذا لم تمسكني بقوة عندما وجدتني مندفعًا؟!
أنت لست صديقًا حقيقيًا، وأنت لا تحبني.
فذهب وتركني ولم ينطق بكلمة واحدة.
فصرخت بكل قوة وألم، وداخلي يسألني: ما هؤلاء البشر؟!
ما هذه الخيانة؟!
أين الأصدقاء؟! ما هذا العالم؟!
أريد أن أنام…
انطلقت بداخلي هذه الجملة بعد شعور باليأس قد سكن في كل أركان روحي وجسدي.
فنمت لساعات طويلة، وكأن النوم صديقي الوحيد بهذا العالم وملاذي الآمن، فأنا لا أريد التفكير.
سأهرب إليك دائمًا يا نومي العميق.
بعد ساعات من النوم، ألحَّ عليَّ جوعي، فنهضت كاسلًا، ثقيلاً أبحث عن طعام، ولكن أي طعام في حفرة في وسط الصحراء؟!
سألت نفسي: لماذا لم أحمل معي طعامًا؟!
وهل كنت أعلم أني سأقع في الحفرة؟!
فسمعت صوت صديقي من الأعلى يسألني:
يا رجل، وهل من الطبيعي أن تحمل طعامًا؟!
فنظرت إليه بكل خيبة أمل، ثم سألته: ألن تُخرجني؟!
أليس معك طعام؟!
ولكن قبل أن يُجيبني ترددت جملته الأخيرة بداخلي:
“هل من الطبيعي أن تحمل طعامًا؟!”
فسألته سريعًا: كيف أخرج من هنا؟!
وقبل أن يُجيبني، أخبرته أن هذا لا يعني أني ما زلت أعتبره صديقي.
قال لي: فكر في طريقة تُخرجك من هنا.
ثم رحل.
لم أغضب هذه المرة ولم أصرخ، فقد اعتدت الصدمة.
ولكني جلست أنظر حولي، أتفقد لأول مرة هذه الحفرة التي سقطت بها.
عيناي بدأت تمسح المسافات، قطر الحفرة ليس كبيرًا، وارتفاعها ليس عاليًا.
ما هذا؟!
سألت نفسي متعجبًا: لماذا لم أحاول الخروج بدلًا من الهروب؟!
لماذا كنت أراها حفرة كبيرة عميقة مظلمة؟!
الحقيقة أني لم أرها من الأساس.
أنا لم أكن أفكر في أسباب الخروج،
كنت أفكر في أسباب السقوط.
فجلست مرة أخرى في قاع الحفرة، وكل الخواطر تجول في رأسي،
والأسئلة أصبحت كثيرة، ولكن هذه المرة أسئلة كلها حيرة.
لماذا كنت أهاجم نفسي بعنف هكذا؟!
صديقي كان محقًا، كان عليه الهدوء والتَّرَوِّي.
لماذا مكثت كل هذا الوقت نائمًا؟!
صديقي كان محقًا، هو لا يملك حبلاً ولا سلّمًا، فماذا يفعل؟!
لماذا كنت أصرخ؟!
هل كان الصراخ سيُخرجني من الحفرة؟!
لقد اتهمته بالخيانة وأنه ليس صديقي!
لماذا لم أدعه يُخرجني ثم نتحدث خارج هذه الحفرة؟!
ثم ضحكت عندما سألت نفسي: لماذا لا أحمل طعامًا؟
وتعالت ضحكتي حتى امتزجت بضحكة آتية من خارج الحفرة،
فنظرت لأعلى، وعيناي يملؤهما الدموع من كثرة الضحك،
فوجدت صديقي يضحك ويمد يداه قائلاً:
هيا يا صديقي، لقد أضعت وقتًا في الغضب حتى قادك إلى الاكتئاب،
فلا تضع وقتك في الحيرة فيتوقف بك الزمن والعمل.
فقفزت، فأمسكت بيديه، فسحبني إلى خارج الحفرة،
فنظرت إليها فوجدتها صغيرة جدًا،
فضحكت ممازحًا نفسي: لماذا لم أكن أحمل الطعام؟
فعانقني صديقي بشدة، ثم تلاشى بداخلي،
فأخذت أتلفت: أين ذهب؟ هل تركني مرة أخرى؟!
وما لبثت أن فهمت أن صديقي كان أنا.
أنا التي أهملتها وهاجمتها بغضب كلما أخطأت.
أنا التي لم أستمع إليها جيدًا عندما كانت تهمس إليَّ بهدوء، تريد السلام.
أنا التي تركت يديها واندفعت وراء كل صوت مجهول.
أنا التي همهمت في أذني: يجب أن أكون أكثر هدوءًا.
أنا هي صديقتي التي ما خانت يومًا.
يا سلامًا بيني وبيني كنت أفتقده، عانقني حتى أطير، ألامس السحاب.
نحن لا نخرج من الحفر التي نسقط فيها بخطوة واحدة،
ولا نخرج من أعماق أرواحنا مسرعين،
فالغواص ينزل المياه بهدوء، ويخرج من أعماقها بهدوء كي لا تنفجر رئتاه.






