أخر الأخبار

لَعِبُ الحُرُوف بقلم: سابرينا عشوش

 

لَعِبُ الحُرُوف

 

بقلم: سابرينا عشوش

 

أشرقتُ بريقي خوفًا،

وخانتني الكلماتُ،

فناديتُ نفسي: جولةٌ أخرى يا أنا

 

طوبى لي ولديني؛

أتأرجحُ على روحِ الطمأنينةِ

كمن يتدلّى من خيطِ نجاةٍ

بين الهاويةِ والسماء.

 

لستُ ممن يعلّقُ في عنقهِ صليبًا،

فقلادتي حرفُ القضاء،

إذا قالوا: أحسنتِ البيان،

قلتُ: بل اللغةُ هي التي أحسنت بي —

هي التي خرّجتني من فمِ الصمتِ،

وألقت بي على شفير الكلامِ كمن يلقي حجرًا في بئرٍ قديم.

 

كيف تُشرقُ الشمسُ

وإذا كان بريقُ ريقي يشرقُ من جهةِ الشرق؟

أقفُ على بابِ المشرقِ كمن يحملُ مفتاحًا لا يفتحُ إلا على ذاكرةٍ قديمة،

أشقُّ شقَّ الطريقِ المشقوقِ،

أخطُّ الضوءَ بحافةِ عطشي كما يخطُّ السّاحرُ دائرةَ إطلاقِ العدمِ.

 

وحين يقولون: “القليلُ منكِ يكفي” —

أبتسم؛

فـَقِلَتي لا تُحصى بالكلماتِ ولا تُقاسُ بموازينِ الكلام،

هي أكثرُ من أن تُقال، وأقلُّ من أن تُقاس؛

كحجرٍ سقط من قمرٍ، لا يكفيه وصفُ السقوطِ ولا يفيه اِسمٌ.

 

ماذا يُقالُ عنّا، إذا لم نقل نحن؟

صدقَ القولُ حين صار حرفُنا يقينًا؛

الحرفُ عندي تشريعٌ ومِحراثٌ، يفلح أرضَ الصمتِ،

وينبتُ من الخشونةِ وردَ السؤالِ.

 

أمحو ما تبقّى من مجيئي،

فكلُّ مجيءٍ حولي يحولُ دون الوصول؛

أحذف وأنقش في آنٍ واحدٍ، كأنّي أُعيدُ رسمَ طلقةٍ على صدرِ الزمن.

والحلُّ؟

أن لا أبحثَ عن حلٍّ لما يحلو لي في الحلالِ —

أتركُ الخيوطَ تندثرُ بين أصابعي فأجعلُ من الفقدِ رداءً للغزلِ.

 

لستُ ممن يضيقُ به الوقتُ،

أنا التي تقتاتُ من القوتِ قوّةً،

ومن القسمةِ كسرًا، ومن الكسرِ نهوضًا —

كطائرٍ يبتلعُ شظايا الصباحِ فيستيقظُ على جناحِ لهب.

فإذا قالوا: قليلٌ أو كثير،

قلتُ: كلُّ كثرةٍ في الميزانِ نقصان،

وكلُّ قِلّةٍ في القلب كمالٌ يتلمّسُ ملامحَ الرحيل.

 

وإن انكسرَ غصنٌ،

فبشرى بمن ذرعَ الشجرَ بالرجاءِ،

فما العودُ إلا مرآةُ جرحٍ تنمو إليها أوراقٌ جديدةٌ من وجعي.

 

لا أشكُّ مَن أراد بي سوءًا؛

فالسوءُ ينكسرُ على نصلِ نواياي،

والحقدُ إن جاءَ أبوابي يجدُ في جوفي مرايا، فلا يستوطنُه إلا انعكاسُه.

لا أشاركُ مَن شاركني بالكلى،

وأنا في دينِه متشبّعةٌ —

أؤمنُ أن من يملأ جوفَهُ بالصفاء لا يجوعُ للحقدِ مهما اقتاتَ من الشكِّ.

 

أمضي على خطٍّ يجرُّ ظلَّهُ نحوي،

أتعثّرُ بحرفٍ كان يحاولُ أن يتذكّرَ لِمَ وُجد،

الحرفُ عندي ذاكرةٌ تائهةٌ تبحثُ عن اسمٍ لم يولد بعد.

 

تتدلّى من فمي لغاتٌ لم تخترع

تتهجّاني العتمةُ كأمٍّ تنسى أسماءَ أطفالها،

وأنا أستعيرُ من الضوء نَفَسًا كي أطفئَ به المعنى،

أستدينُ من الفجرِ مقطوعةَ صمتٍ لأدفئ حروفي.

 

كلُّ كسرٍ لصمتي

وكلُّ جرحٍ نافذٌ إلى المعجم —

فوجعي قاموسٌ لا يحتويهُ قاموسٌ، يترجمُهُ الصم في لغةٍ منحنيةٍ.

أقيمُ على حدودِ السكون

وأكتبُ شكلي كي أصدّقَ أني ما زلتُ أختلفُ مع ذاتي؛

أختلفُ كي لا أصبحَ صورةً معلّبةً منسوجةً من ذكرى واحدة.

 

في فمِ الهواءِ رائحةُ ماضٍ لم يُقَل،

وفي جيبِ الليلِ بقايا نهارٍ تاهَ بين الضمائر؛

أعدُّ الحروفَ كما يعدُّ الغريقُ أنفاسَه،

ثم أُلقي بها كي تطفو على ذاكرة الضمير كأوراقِ سفينةٍ لا تعرف الميناء.

 

الصورةُ تذوبُ في مراياها،

الظلُّ يشربُ نفسه حتى يختفي،

والوقتُ يبتسمُ للحظةٍ لا تعرفُ من بدأها —

كمن يتركُ بلدته من دون أن يذكر اسمَ الطريق.

 

أمضي، ولا أمضي،

كأنّ الطريقَ مكتوبٌ فيّ بقلمٍ ينسى من يكتب به؛

أمضي كي أعودَ إلى حيثُ لا يعودُ أحدُ،

أمضي كي أصيرَ سؤالًا يطفئُ ضوءَه.

ثم أمضي…

 

،هنا، هناك،… هنالك

انفجرَ الحبرُ من جهةِ الصمت،

تطايرت الحروفُ كشررٍ من نسيانٍ أبدي،

وانحنى الورقُ ليرى نفسه في الرماد —

والرمادُ جلسَ يكتبُ

ماذا؟….

يكتب… ؟

طيفًا لا يتركهُ النسيان.، وعند آخرِ نقطةٍ في آخر سطر

انطفأَ المعنى، ثم اشتعلَ… باسمي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى