من أضواء البالون إلى أعماق الهرم.. «مملكة السحر والأسرار» تكتب أسطورة جديدة لمسرح العرائس المصري
من بين خيوط الماريونيت تنبعث أسطورة مصرية تُعلّم أن العلم هو الكنز الحقيقي.

في عرضٍ يُشبه رحلةً عبر الزمن، امتزج فيه السحر بالهوية، والخيال بالتاريخ، وتحت رعاية وزير الثقافة الدكتور أحمد فؤاد هنو، وقطاع شؤون الإنتاج الثقافي برئاسة الفنان هشام عطوة، والبيت الفني للفنون الشعبية والاستعراضية برئاسة الفنان تامر عبد المنعم، قدّمت فرقة “تحت 18” بقيادة مديرها العام الفنان طارق مرسي، والمشرفين الفنيين حسن الشريف ومحمد عبد الخالق، العرض المسرحي البديع «مملكة السحر والأسرار» على خشبة مسرح البالون بقاعة صلاح جاهين، تحت إدارة الفنان أحمد مصطفى، وذلك ضمن فعاليات مهرجان القاهرة لمسرح العرائس، لتؤكد أن الفن لا يزال أصدق وسيلة لإحياء الوعي وبعث جذور الانتماء في نفوس الأجيال الجديدة.
منذ اللحظة الأولى، يأسر العرض جمهوره بعالمٍ فرعوني نابض بالألوان والرموز، تتحرك فيه العرائس بخفة وأناقة، حاملةً بين أيديها رسالة فنية وتربوية عميقة:
أن المعرفة هي الكنز الحقيقي، وأن حضارة مصر لا تُروى بالحجارة وحدها، بل بالعقول التي تحفظها وتُحييها من جديد..
العرض من تأليف عبدالمنعم محمد، وإخراج الفنان عماد عبدالعظيم، ويُعد تجربة فنية راقية تُعيد الاعتبار لمسرح العرائس كفن تربوي قادر على الجمع بين الإبهار البصري والرسالة الثقافية الهادفة.
مغامرة في أعماق الهرم..
وتدور أحداث عرض العرائس «مملكة السحر والأسرار» حول رحلة مدرسية إلى منطقة الأهرامات وأبو الهول، حيث يقرر ثلاثة أطفال من أفراد الرحلة التسلل بعيدًا عن المشرفة “ميس نيفين” وصعود مدرجات الهرم الأكبر “خوفو” بدافع الفضول والمغامرة.
وأثناء الصعود، تنهار بهم إحدى الدرجات ليجدوا أنفسهم في غرفة سرية داخل الهرم، حيث يكتشفون مجموعة من لصوص الآثار يحاولون سرقة كتاب «الأسرار» — مخطوط فرعوني يحمل سر المعرفة الخالدة.
وبينما يحاول الأطفال الهرب، يقرأ أحدهم بالخطأ تميمة قديمة، فيظهر الكاهن “حم نترو” من عالم الأسطورة ليكلفهم بمهمة مقدسة: حماية الكتاب من اللصوص. ومن هنا تبدأ رحلتهم في مملكة غامضة تمتلئ بالمفاجآت والمواقف التي تختبر شجاعتهم وذكاءهم.

وخلال مغامرتهم، يواجه الأطفال الحية “بيبي” التي تتهمهم بسرقة ذهبها وقتل ابنتها بعد أن خدعها اللصوص الحقيقيون، لتنشب مواجهة حماسية تنتهي بهروب الأطفال بمساعدة الطائر الحكيم الذي يقودهم نحو طريق الحقيقة.
> وفي نهاية الأحداث، يكتشف الأطفال أن العلم هو الكنز الحقيقي الذي لا يمكن سرقته، وأن حماية التاريخ مسؤولية تبدأ بالوعي والانتماء، وهي الرسالة التي أراد صُنّاع العرض إيصالها إلى الجمهور، وبالأخص للأطفال والجيل الجديد، لتشجيعهم على حب المعرفة والتاريخ المصري القديم.
رؤية إخراجية تجمع التعليم بالفن
المخرج عماد عبدالعظيم قدّم العرض بروح جديدة تمزج بين التشويق والمعلومة التاريخية، مع الاعتماد على العرائس الماريونيت التي تحركت بانسيابية شديدة لتجسد المشاعر الإنسانية، وكأنها شخصيات حقيقية.
الإضاءة من تصميم أبو بكر الشريف أضافت بعدًا أسطوريًا خاصة في مشاهد الظهور الفرعوني، بينما جاءت موسيقى يحيى نديم وتوزيع أحمد ريكاردو لتُكمل الحالة الدرامية بروح مصرية أصيلة.
الديكور من تصميم د. محمد سعد جاء ثريًا بالتفاصيل، والعرائس من إبداع د. أمير عبدالمسيح كانت لوحة فنية متحركة تنبض بالحياة.
تفاعل مبهج من الجمهور
شهد العرض حضورًا كبيرًا من طلاب المدارس الذين تفاعلوا مع الأحداث بحرارة، واندمجوا مع الشخصيات والعرائس في كل مشهد. ضحكوا، صفقوا، ورددوا الأغاني، وكأنهم جزء من المغامرة نفسها.
ذلك التفاعل كشف أن العرض نجح في الوصول إلى وجدان الأطفال وتحقيق هدفه التربوي دون أن يفقد روح المتعة والخيال.

رسالة العرض وتصريح إيهاب علوان
في تصريحات خاصة لـ وكالة أنباء آسيا، أكد الفنان والمخرج المسرحي إيهاب علوان متولي، أحد المشاركين في العرض، أن «مملكة السحر والأسرار» ليست مجرد حكاية للأطفال، بل دعوة للحفاظ على الهوية والوعي بتاريخنا المصري العظيم.
وقال إيهاب علوان:
> «العمل ده بيحاول يذكّر الجيل الجديد إن حضارة مصر مش مجرد تماثيل وآثار، لكنها فكر ومعرفة وإنسان. إحنا عايزين أولادنا يعرفوا إن قوة بلدهم مش في الكنوز، لكن في العقول اللي بنت الحضارة دي».
وأضاف أن العرض جاء ليغرس في نفوس الأطفال قيمة الانتماء والاعتزاز بالجذور، مشيرًا إلى أن الفن هو الوسيلة الأقوى لغرس تلك القيم بعيدًا عن التلقين.
وأوضح:
> «حاولنا من خلال القصة نوصل فكرة إن كل طفل مصري جوّاه كتاب أسرار حقيقي، هو عقله وفضوله وحبه لاكتشاف التاريخ. وده الكنز اللي لازم نحافظ عليه».
وأكد أن مسرح العرائس يمكن أن يكون وسيلة قوية لتربية الوعي الثقافي لدى الأجيال الصغيرة، إذا تم تقديمه بروح العصر وبصورة قريبة منهم.

فريق العمل
شارك في الأداء الصوتي: هبة محمد، نورهان هاني إبراهيم، عبدالرحمن طارق، دعاء محمد، حسن الشريف، إيهاب علوان، هاني إبراهيم، وفاء السيد، باسم نور، وعماد عبدالعظيم.
أما تحريك العرائس فقام به: هبة محمد، دعاء محمد، إيهاب علوان، خالد عبدالحافظ، أحمد صالح، أحمد حسن، نور الشرقاوي، باسم نور، محمد جاد، هشام إبراهيم، إسلام جلال، كريم فؤاد، أحمد عبد السلام
العناصر الفنية جاءت متكاملة: ديكور د. محمد سعد، عرائس د. أمير عبدالمسيح، أشعار محمد زناتي، مادة فيلمية ضياء داوود، تنفيذ ديكور أبو العلا صابر، مخرج منفذ دعاء محمد، الأداء الصوتي والغناء هبة محمد، فنيّا الإكسسوار موسى سعد وأحمد حمدي.
الفن والمعرفة وجهان لعملة واحدة
«مملكة السحر والأسرار» ليست فقط عرضًا للمتعة البصرية، بل رحلة وعي وتنوير تعيد تعريف معنى المسرح الموجه للطفل، فهو عمل يثبت أن المعرفة يمكن أن تُقدَّم بلغة الفن، وأن الترفيه يمكن أن يصنع وعياً حقيقياً.
وبين أروقة الهرم وأسطورة الكاهن “حم نترو”، يخرج الجمهور الصغير بدروس كبيرة عن قيمة العلم والانتماء وحب الوطن.






