المؤسسات الحضارية التي إستحدثها العقل المسلم .. الكاتب/ محمـــد الدكـــروري

 

الحمد لله الذي خلق البشر وأمر بطاعته كما أخبر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يعلم العلن والمخبر، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله ربه إلى الأسود والأحمر، صلى الله وسلم عليه ما بزغ نجم وظهر وعلى آله وأصحابه الميامين الغرر، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المستقر أما بعد ذكرت المصادر الإسلامية الكثير عن أمور البيئة، أما العناية بالبيئة من خلال التعاليم والأحكام الإسلامية، فتتجلى في العديد من المؤسسات الحضارية التي إستحدثها العقل المسلم، ومن هذه المؤسسات هي مؤسسة الخلافة حيث رأينا الخلفاء يعتنون بأمر البيئة بأنفسهم، وبولاتهم وأعوانهم، كما رأينا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يحث أحد الصحابة على غرس الشجر في أرضه، ويشاركه بيده في الغرس، ورأيناه يوصي بالرفق بالحيوان، ورأيناه يشجع على إحياء الموات.

وكذلك رأي الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه في أرض الخراب بالكوفة أنها موات، وكما أن من المؤسسات الحضارية التي إستحدثها العقل المسلم هي مؤسسة القضاء حيث يستطيع القاضي أن يحكم بالتعزير على كل من أساء إلى البيئة، وأيضا مؤسسة الحسبة وكان لها دور كبير في الإشراف والإرشاد والرقابة والتأديب، وكانت تتدخل في كثير من الأمور الإجتماعية والاقتصادية والأخلاقية، وكما أن من المؤسسات الحضارية التي إستحدثها العقل المسلم هي مؤسسة الوقف الخيري وهي مؤسسة تقوم على أساس الصدقة الجارية الدائمة بأن يحبس الإنسان الأصل المالي ويسبّل ثمرته، وأن يجعلها موقوفة على الخيرات، وسد الثغرات في حياة الناس حتى رأينا من خيار الناس من ينشئ وقفا للكلاب الضالة، وكما أن من المؤسسات الحضارية التي إستحدثها العقل المسلم.

هي مؤسسة الزكاة، وقد قامت الزكاة بدورها في معالجة مشكلات الفقراء والمساكين والغارمين، وأبناء السبيل من أصحاب الحاجات ومن المعلوم أن مشكلة الأعداء الثلاثة الفقر والمرض والجهل، تعد من أعوص المشكلات التي تعترض رعاية البيئة والإحسان إليها، ولقد ظل الإهتمام بالبيئة في جوانبها المختلفة، لا يمثل مصدر قلق للبشرية، لكن الحال تغير تماما بعد الثورة الصناعية والتكنولوجية التي أحدثت نقلة كبيرة في طريقة تعامل الإنسان مع ثروات الطبيعة ومواردها، وأدى الإسراف في إستعمال هذه الموارد إلى استنزافها وإفقار الحياة على هذه الأرض، وإحداث إختلال في الموازين الدقيقة للبنية الطبيعية للكرة الأرضية حيث زادت حركة التصحر نتيجة إهمال الزراعة في السهول، وتوالت الفيضانات المدمرة بسبب قطع الغابات في الجبال.

وإستخدمت المواد الكيميائية بصورة عشوائية، وأغرقت الموارد المائية الطبيعية بالفضلات البشرية والصناعية، فتلوث النطاق المائي، وتسربت السموم إلى باطن الأرض، فتضاءلت الثروة البحرية، وإختل توازن الكائنات المائية الحية في أجزاء كثيرة من البحار، كما أسهم نفث النفايات الغازية في الجو في زيادة نسبة السموم في الهواء، وتحولها إلى أمطار حارقة، أثرت في دورة الأمطار، فأصبح الجفاف بسببها أهم مشكلات عدد غير قليل من الأقطار، وبرز الإهتمام العالمي بضرورة حماية البيئة منذ النصف الثاني من القرن العشرين، وتجلى ذلك في الإتفاقيات الدولية التي وصل عددها إلى مائة وثلاثين إتفاقية دولية، لكن ما تزال الشكوى قائمة من تدهور شؤون البيئة لأسباب كثيرة، حتى ذهب العلامة الشيخ القرضاوي إلى القول بأنه لو كان للبيئة لسان ينطق وصوت يسمع

لصكت أسماعنا صرخات، الغابات الاستوائية، التي تحرق عمدا في الأمازون، وأنين المياه التي تخنقها بقع الزيت في الخلجان والبحار، وحشرجة الهواء الذي يختنق بغازات المصانع والرصاص في مدن العالم الكبرى، وقد حفلت آيات القرآن الكريم بالحديث عن البيئة من عدة زوايا، حيث لفت الإنتباه إلى عناصر البيئة الطبيعية التي تحيط بالإنسان، من الأرض والسماء، والبر والبحر، والماء والهواء، والشمس والقمر، وكذلك التوازن البيئي، والمراد به بقاء عناصر البيئة الطبيعية ومكوناتها على حالها كما خلقها الله دون أي تغير يذكر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى