مقاصد الشريعة وصلتها بحماية البيئة .. بقلم / محمـــد الدكـــروري

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، واهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد ذكرت المصادر الإسلامية الكثير عن البيئة، وترجع تكاليف الشريعة كما قرر الشاطبي إلى حفظ مقاصدها في الخلق، وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام وهي أن تكون ضرورية، وأن تكون حاجية، وأن تكون تحسينية، فأما الضرورية فمعناها أنها لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا بحيث إذا فقدت لم تجري مصالح الدنيا على إستقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين والحفظ لها يكون بأمرين أحدهما يقيم أركانها، ويثبت قواعدها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب الوجود والثاني ما يدرأ عنها الإختلال الواقع أو المتوقع فيها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب العدم، ومجموع الضروريات الخمسة.
وهي حفظ الدين والنفس والنسل والمال، والعقل، وإذا كان الدين هو الضرورة الأولى من الضروريات الخمسة، التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، فإن ذلك يقتضي حماية البيئة، بل وتنميتها لأن البيئة هي المجال الذي يمارس فيه الإنسان مهمة الإستخلاف والإستعمار، التي كلفه بها المشرع وذلك في قوله تعالى ” إني جاعل في الأرض خليفة ” وقوله عز وجل “هو أنشأكم من الأرض واسعمركم فيها ” ومن ثم تكون المحافظة على البيئة وحمايتها من كل صور الإعتداء عليها فرضا دينيا، لا ضرورة حياتية فقط، لأنه كما في القاعدة الفقهية ” ما لم يتم الواجب إلا به فهو واجب” وإذا كانت أصول الدين تتوزع بين عبادات ومعاملات، فإن تحقيق هذه الأصول لا يمكن أن يتم بعيدا عن البيئة، فالصلاة تحتاج إلى الطهارة، التي تحتاج بدورها إلى الماء، وهو أحد عناصر البيئة.
والماء يشترط فيه أن يكون طاهرا مصونا من الملوثات التي تفسد طبيعته، وتمنع إستعماله للشرب أو الوضوء أو الإغتسال، والزكاة تحتاج إلى الإنتشار في الأرض، بالسعي والعمل بصوره كافة، الزراعي والصناعي والتجاري بما يعنيه ذلك من تنمية البيئة وحمايتها، والصيام يقتضي الإمساك عن كل ما يفسد أو يخرب عناصر البيئة لأنها نعمة من الله تعالي، والحج يقتضي الإستطاعة المالية والبدنية، ولا يمكن توفرهما للإنسان من دون أن يعمل أو يسعى في الأرض ليبني ويعمر ويستصلح، أما المعاملات فهي حصيلة تفاعل الإنسان مع البيئة بما تحويه من خامات وعناصر، تتيح للإنسان الفرصة لإستثمارها وتنميتها وتبادلها مع غيره، بما يحقق في النهاية التعاون والتكامل الذي يعود بالخير على الجنس البشري كله، ولم يكتفي الدين بذلك، وإنما وضح للإنسان.
كيف يتعامل مع المخلوقات والكائنات المحيطة به لأنها تمثل أحد عناصر البيئة، وكذلك فإن الدين قد نهى عن الفساد والإفساد في البيئة، كذلك فقد نهى الدين عن الإسراف في إستعمال العناصر البيئية إذ إن الإسراف يعد سببا رئيسيا من أسباب تدهور البيئة، وإستنزاف مواردها، كما أنه بكل صوره وأشكاله يؤدي إلى نتيجة واحدة هي إهلاك الحرث والنسل، وتدمير التوازن البيئي، الذي يعد أحد القوانين الضرورية لإستمرار الحياة على كوكب الأرض، ومن هنا تشير الآيات التي تتحدث عن الإسراف والمسرفين، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الإسراف في قوله ” كلوا واشربوا وتصدقوا في غير إسراف، ولا مخيلة ” هذا وصلوا وسلموا على أفضل المرسلين وخاتم النبيين، رسول رب العالمين محمد الصادق الأمين، فقد ندبكم لذلك ربكم القوي المتين، اللهم صلي وسلم على نبينا محمد صلاة وسلام ممتدين دائمين إلى يوم الدين، اللهم وزده ثناء وتعظيما وتشريفا وتكريما.






