إبليس إبتدي الصراع .. ونحن ندور في حلبة أفكاره | مقال بقلم أحمد شادي

بدايــة الصـــراع :
كانت فكرة إبليس الأساسية التي ابتدأ الصراع بسببها تتمحور حول ذاته فقط ، لم ينظر إبليس لأي اعتبارات حوله، حتى أنه نسف مكانته عند الله نسفًا، كأنه لم يكن يعبد الله من قبل، وكأنه كان في الأصل يعبد نفسه كما نعلم جميعًا أن إبليس كان من الجن، ثم رفعه الله إلى طاووس الملائكة نظرًا لعبادته واجتهاده في التقرب إلى ربه هل كان يعبد إبليس الله أم عبد مكانته عند الله ؟ هل كان يعبد الله ليصل إلى شيء في نفسه ؟ كيف اعتقد إبليس أن سجوده لآدم ينتقص من مكانته ؟
نقص التوحيد ومعنى العبادة :
بالتدقيق في فعل إبليس ورفضه لأمر الله نرى أنه ما عرف الله حقًا، وأنه عبد الله ليس كإلهٍ حكيمٍ يفعل ما يشاء وقتما يشاء وبأي طريقة شاء، بل عبد إبليس الله ليُعطيه ما يشاء وفي هذه الفكرة نقصٌ شديد من حقيقة التوحيد وقوة الله الكامنة في أنه الله المالك الحكيم الرب الذي يرعى ويحكم ويرزق ويتصرف كيفما شاء إن إبليس عاش يعبد الله بفكره المحدود عن قدرة الله، فلما جاءه اختبار في فكرته عن الله، لم يقبل هذا الاختبار لأنه تعارض مع ما أفكاره، ومن غبائه وحبه لذاته وتمحوره حولها ازداد عندًا إن إبليس عبد نفسه وما زال يعبدها أننا نفعل مثله نحن لا نستسلم لكل أقدار الله فينا .
الإنسان بين فكر إبليس وفطرة الله :
إننا ربما نفعل مثله، لأننا إما أن نميل إلى فطرة الله أو نميل إلى أفكار إبليس أمر الله إبليس أن يسجد لآدم، هذا المخلوق الجديد، فاعتقد إبليس أن السجود لآدم يجعله أفضل منه، فأبى وأعتقد إبليس أن آدم سيأخذ مكانه عند الله فعصى الله، وهذا انتقاصٌ آخر في حق الله يريك كيف كان يفكر إبليس في الله فالله العظيم الرحمن الرحيم القادر، قادر على أن يحب آدم وإبليس وجميع خلقه دون أن يفرّق بينهم لقد زرع في أنفسنا الحقد ليأكل أرواحنا كما أكل الحقد روحه لقد وصل إبليس إلى مكانةٍ عاليةٍ عند الله بعبادته، ثم عصى لأنه ما قدّر الله حق قدره .
تحدي الله وغباء التمرد :
ما زال إبليس يعتمد على غبائه، ويعتنق بعنده كل فكرة جاهلة ليدافع بها عن معصيته لربه يبرر إبليس معصيته بأن النار التي خُلِق منها أفضل من الطين الذي خُلق منه آدم وعجباه! ما أدراك يا إبليس أن النار أفضل من الطين وكما قلنا، إن أفكار إبليس عن الله كانت محدودة ومتمحورة حول ذاته وليس حول ذات الله، فإنه لم يفهم أن طاعة الله أمر واجب وإيمان شديد بحكمته، وإيمانٌ بأنه لن يأمرنا بشيءٍ ينتقص من قدرنا ثم يفعل إبليس شيئًا يخالف المنطق والعقل، لقد تحدى الله ولأن تحدي الله دائمًا يعمي الأبصار ويهلك الأعمار ويضرب على الأذن وقرًا، تجد نفسك تبذل جهدًا لا فائدة منه، كأنك تجري في مكانك فانظر معي ماذا فعل إبليس في نفسه .
حــــوار الوهـــم :
قال لله إنه سيثبت له أن آدم و ذريّة آدم جميعًا عصاه و لا يستحقون شيئا وهل طلب الله منه أن يثبت هذا إن إبليس بافعاله هذه يتحرك خارج أوامر الله و يضع لنفسه أوامر من أفكاره هو و يتحرك من خلالها و كلما تحرك بأفكاره كلما زاد ضلاله و عنده فلو كان سجد، لكان ربما أفضل من ذريّة آدم جميعًا فعلًا عجيب أننا نشبهه كثيرا كيف توغلت أفكاره بداخلنا هكذا قتل قابيل هابيل ليفوز و تجد إبناً من بني ءادم ينتقص أخاه و يحاول جاهدا أن يثبت أن أخاه لا يستحق شيئا و ذلك ليشعر بأنه الأفضل إن إبليس اعتقد في نفسه أن الله فضّل آدم عليه بلا قيدٍ ولا شرط، لذلك لم يسمع إبليس الله جيدًا وهو يقول له :
﴿ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا ﴾
هل فهم إبليس أن لا أفضلية لمخلوق على مخلوق إلا بطاعة الله هل فهم إبليس أن الله لم يطلب منه إلا السجود لم يطلب منه أن يُثبت أنه أفضل من أحد ولا أن يثبت أن أحدا سيئاً هل فهم إبليس أن علينا جميعًا الاجتهاد في الطاعة، والله وحده من يختار من الأفضل .
غباء التبرير وكبر النفس :
تخيل أن إبليس يسعى بكل جهده أن يُثبت لله أن آدم وذريته عصاة، وأنه لم يسجد لهم إلا لأنه “ذكي” وعرف أنهم كذلك والله لم يقل إن بني آدم لن يعصوني، ولم يقل إنه سيحبهم أكثر من إبليس إبليس إعتنق نفسه وأفكارها وراح يحارب طواحين الهواء إبليس رأى الله وآمن به وعبده، وكافأه الله على عبادته، ثم ماذا بعد ذلك؟
تخيل أن أكفر أهل الأرض لا ينكر وجود الله، ولكنه عبد نفسه كيف عبد نفسه ؟ هل سجد لها ؟
هل قال ” أنا إله” كما قال فرعون ؟ لكنه قال : ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ﴾ كما قال قارون الذي كان من أعبد الناس في بني إسرائيل .
عبادة النفس والشرك الخفي :
إن إشراك نفسك مع الله من المهلكات، وإن تفاخرك وغرورك بنفسك يجعلك لا ترى ضعفك إلى قوة الله، بل لا ترى إلا قوتك وعلمك وذكاءك، فتنسي الله إن النفس إن تعاظمت وتفاخرت انتفشت وجعلت على العين غشاوة لا ترى من خلالها إلا نفسها لا تري خارج حدودها تعتقد لما الله واحد؟ ولما نقول التوحيد؟ ولما ننفي الشرك قبل إثبات التوحيد لأن الله عزيز لا يقبل أن تَرى معه شيئًا، ولو كان صغيرًا فكيف لعظيمٍ أن يُجمع مع صغير؟
وكيف لحقيقة أن تجتمع مع سراب ؟ إن العين إن رأت نقيضين تاهت ومالت إلى الضلال، فالحقيقة لا تقبل الشك، والنفس القوية هي القادرة على دحض الباطل بالحق وإغلاق عين الوهم بداخلها .
ختــــام الصـــراع :
قال الله تعالى :
﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ۚ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا ﴾ سورة الكهف .. انظر إلى هذا الصراع العجيب، ستجد أن إبليس هو من تتبّعنا فهلك، ثم تبعناه فهلكنا، ولم يكن مطلوبًا منه ومنا إلا ألا نتبع أنفسنا و أن نتبع الله وحده .






