نادية هارون تكتب: إنتهت الضيافة… مصر ليست وطناً بديلاً

في القرن الرابع الميلادي، إستقبلت روما أعداداً ضخمة من قبائل القُوط كلاجئين من حروب الشمال، لم تستطع الدولة دمجهم أو السيطرة عليهم، فتشكّلت داخل روما “مجتمعات موازية” لها قادتها وميليشياتها، وبعد سنوات قليلة، تحولت هذه الكتلة إلى قوة عسكرية اقتحمت روما نفسها عام 410م.
وفي الأردن وبعد نكبة 1948، إستقبل الأردن أعداداً كبيرة من الفلسطينيين، ومع الوقت، تشكّلت قوى مسلحة مستقلة داخل الأردن -المنظمات الفدائية-، أصبح لهذه القوى معسكرات وسلاح وموارد وإتصالات خارج الدولة، وفي سبتمبر 1970 وقع ما سمي بأحداث سبتمبر الأسود 1970، حيث حدث صدام بين الدولة واللاجئين المسلحين أدى إلى حرب داخلية انتهت بقمع الوجود العسكري، وعلى نفس النسق وإلى الآن تعاني لبنان بسبب مخيم الجنوب.
بعد الإبادة في رواندا، فرّ مئات الآلاف من الميليشيات الهوتو إلى الكونغو، بدلاً من أن يكونوا لاجئين مدنيين، حملوا السلاح، وأنشأوا قواعد عسكرية داخل أراضي دولة أخرى، أدى ذلك إلى إشعال حربين أهليتين في الكونغو، وسقوط نظام حكم، وتدخل دولي واسع.
وفي باكستان ومن الثمانينيات وحتى اليوم والأزمات متلاحقة نتيجة إستقبال باكستان ملايين اللاجئين الأفغان بعد الاحتلال السوفيتي، وبمرور الوقت ظهرت مدارس دينية مغلقة، وتشكّلت تنظيمات مسلحة داخل المخيمات، ونشأت شبكات تهريب سلاح ومخدرات، أدّى ذلك إلى صعود “طالبان” وتورط باكستان في عقود من الفوضى الأمنية.
وفي القرن 12 ق.م هاجرت موجات بشرية ضخمة من البحر المتوسط الشرقي إلى مصر والشام، لم تكن جيوشا نظامية، بل جماعات تبحث عن أرض، أدّى ضغطها إلى سقوط حضارات الشرق القديم، وإنهيار ممالك كبرى مثل الحيثيين، وإضطرابات حادة في مصر الفرعونية – رغم أن مصر صدّت الخطر عسكريا- وهذا المثال يُظهر أن الكتلة البشرية نفسها يمكن أن تتحول إلى قوة تدمير.
تلك النماذج من التاريخ تقدم لنا درساً واحداً مفاده أن اللاجئ الفرد لا يمثل مشكلة، بينما الكتلة السكانية غير المنضبطة والتي تتحول الى مجتمعات مغلقة ويصبح لها إقتصاد مستقل – وهو ما يحدث في مصر حاليا من ملايين السوريين في مصر- هي التي تهدد إستقرار الدول، لأن الدولة تفقد وحدة هويتها، وهو أخطر من السلاح نفسه، لأن اللاجئ حين يأتي بكتلة وقوة، قد يتحول إلى صانع صراع داخل البلد المضيف.
كانت مصر، وما زالت، حضناً واسعاً لكل من لجأ إليها طلباً للأمان، لكن أي حضن، مهما إتسع، له حدود، ومع هذا العدد الكبير بدأ يظهر أثر ثقيل، فالأزمة لم تعد مجرد تكافل إنساني، بل تحولت إلى ضغط ملموس على سوق العمل، على فرص الشباب، وعلى القدرة الشرائية، وعلى السكن والمعيشة، والمجتمع نفسه بدأ يشعر بتغيرات في إيقاع الحياة اليومية، وفي العادات والسلوكيات، وفي شكل الأحياء واللغة والصورة العامة للشارع، ومع هذا التوسع غير المنظم، يصبح الأمن القومي في موضع حساس، لأن أي تركيب سكاني ضخم مغاير قد يتحول في لحظة إلى أداة نفوذ أو مصدر فوضى أو ورقة ضغط تُستخدم ضد الدولة.
وعليه، فإن عودة اللاجئ إلى بلده ليست قسوة، وليست طرداً، ولا تنكراً لإنسانية أي شعب، فاللجوء حالة مؤقتة، لا يجوز ولا يمكن أن يتحول إلى بديل عن الوطن الأم، وكل دولة إستقرت فيها الأوضاع، وعادت إليها مؤسسات الحكم، ينبغي أن يُعاد أبناؤها إليها ليبنوا وطنهم، وحق مصر أن تستعيد توازنها الداخلي، وأن تكون عودة منظمة، عبر إتفاقات رسمية، وبمراحل متتابعة، تضمن الكرامة لمن يعود وتحفظ الإستقرار لمن يبقى فترة إنتقالية، كما تفعل دول كثيرة سبقتنا في هذا الطريق، دون أن تُتهم بالقسوة أو العنصرية، لأنها ببساطة تحمي حق شعبها أولاً.
في النهاية أقول: إن مصر أدت واجبها الإنساني كاملاً، إحتضنت، وساعدت، وصبرت، وتحمّلت، ولكن الرحمة لا تلغي الحكمة، والكرم لا يعني ضياع القدرة، حان الوقت ليُحفظ البيت من الداخل، فالوطن الذي لا يبني لنفسه سقفاً واقياً، ينتهي مكشوفاً للريح، ومصر لا يليق بها إلا أن تبقى قوية كما كانت.






