تهاني عدس تكتب *المجتمع الشرقي في مواجهة التغيير الاجتماعي

*المجتمع الشرقي في مواجهة التغيير الاجتماعي*
بقلم الكاتبة والأديبة تهاني عدس
يشهد المجتمع الشرقي اضطرابًا كبيرًا على الصعيد الاجتماعي. تتجلى هذه الأزمة أولاً داخل الأسرة الشرقية في الداخل، ثم امتد تأثيرها لتشمل المجتمع الشرقي المهاجر في الغرب. بدأت المشكلة بتحدٍ كبير تمثل في تمرد الأبناء على آبائهم، مما أدى إلى اتساع فجوة التفاهم بينهم. لقد انقلب الأبناء على المفاهيم والمبادئ التربوية الموروثة التي يعتبرها الآباء مُسلَّمات؛ بعض هذه المبادئ لا يزال مناسبًا لمجتمع أصيل وعريق كالمجتمع الشرقي، بينما أصبح بعضها الآخر قديمًا وغير صالح لتربية أجيال جديدة منفتحة على العالم، وهنا بدأ الصدام.
حاليًا، أصبح الأبناء هم المؤثرون في آبائهم وليس العكس؛ يمكننا أن نطلق عليهم “الجيل المعلِّم” لأنهم لقّنوا آباءهم وأمهاتهم التمرد وإعادة التفكير في كل ما ورثوه من أفكار. بعيدًا عن الضغوط النفسية والمادية والأسرية، بدأ الأب يبحث عن الحب والمتعة متطلعًا إلى الحرية الجنسية المطلقة، وفي الوقت ذاته، يتمسك بالبيت والأسرة حفاظًا على المظهر الاجتماعي العام.
الرجل الشرقي لم يشارك أساسًا في تربية الأبناء، إذ جرت العادة أن تتولى المرأة هذا الدور. وأمام هذا التمرد، لم تعد المرأة قادرة على أداء هذا الدور بمفردها، ولم تعد تطيق تحمل تهمة التقصير والتنكيل بها دائمًا. من ناحية أخرى، لم تعد قادرة على الصمود أمام الفراغ النفسي والعاطفي الذي سببه لها غياب الشريك الحقيقي عنها وتمرد أبنائها عليها؛ فتمردت هي الأخرى وانقلبت على الجميع. وهذا هو الجانب الأكثر خطورة في الأزمة، لأن انهيار المرأة يعني انهيار المجتمع بأكمله.
نتائج هذه الأزمة وخيمة على كافة المستويات؛ فقد ظهرت فضائح لم يعهدها المجتمع من قبل، وتتعارض مع المبادئ والقيم التي تميز بها قديمًا، فضلًا عن ارتفاع حالات الطلاق والعنف داخل الأسرة الواحدة. تدور معركة حامية بين الجنسين على وسائل التواصل الاجتماعي، يتهم كل طرف الآخر بأنه المسؤول عن التعاسة، فشل الأسرة، ضياع الأبناء، وغياب الحب؛ بل وصل الأمر إلى تمني كل منهما زوال الآخر من الوجود.
ينتشر التدين الشكلي (الظاهري) في المجتمع، مما يجعل الدعوة إلى تعدد الزوجات وزواج المتعة شكلاً من أشكال التمرد الاجتماعي وليس تطبيقاً للشرع كما يدعي أصحابها. يراقب الشباب هذا الصراع المحتدم، فأعلنوا التمرد على فكرة الزواج وتبنوا أفكارًا مستحدثة وغريبة على المجتمع، مثل المساكنة والمواعدة وغيرها.
إذن، ما الذي تسبب في هذه الأزمة؟ أصابع الاتهام تشير إلى انتشار وسائل التواصل الاجتماعي. لكن المشكلة الحقيقية لا تكمن في انتشارها، بل في استخدامها الخاطئ وغير الواعي. فالجميع يختبئ خلف الشاشات باحثين عما يفتقدونه، مما أحدث خللاً في المفاهيم والأفكار التي كانت سائدة في المجتمع الشرقي منذ القدم.
تشارك وسائل الإعلام المحلية أيضاً في زيادة حدة التوتر؛ فالإعلام المصري، على سبيل المثال، يقدم أصواتاً نسائية مثل رضوى الشربيني لتعزيز تمرد المرأة، وفي المقابل، تقدم ياسمين عز فكرًا مضادًا بدعم الهيمنة الذكورية و”فرعنة” الرجل، ويلقى هذا رواجًا واسعًا داخل مجتمع يتسم بالذكورية في الأصل. تؤثر الإعلاميتان بشكل واسع على ملايين المتابعين، لكنهما في الواقع تتبنيان نوعين من الأفكار المتطرفة التي تساهم بشكل كبير في تعزيز الصراع القائم بين الرجل والمرأة، ومن ثم هدم كيان الأسرة.
شئنا أم أبينا، أعجبنا أم لم يعجبنا، يبدو أننا أمام ثورة اجتماعية ستغير طريقة التفكير وتعيد تشكيل النسيج المجتمعي. إنها تشبه التحولات الاجتماعية التي حدثت في المجتمع الأمريكي في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، ومنها ما يطلق عليه “الثورة الجنسية” بالإضافة إلى الحركة الحقوقية التي نادت بالمساواة الجنسية وأدت إلى تغييرات في الأعراف الجنسية والاجتماعية.
فما الحل إذن؟ بالرغم من التوتر الكبير الناتج عن السوشيال ميديا والإعلام، هناك حقيقة لا يمكن إنكارها، وهي أنهما صنعا حالة من الوعي والصحوة بين أفراد المجتمع، لكنه وعي متخبط وصحوة عشوائية أربكت الجميع. يمكن الحد من سلبيات هذا التطور عبر اتباع أساليب متنوعة، منها دعوة الإعلاميين المؤثرين لتعديل الحوار الإعلامي وتوحيده نحو هدف واحد هو الإصلاح الاجتماعي وتدعيم ترابط الأسرة بدلاً من تعزيز الصراع القائم. كذلك، يجب توعية الجماهير بضرورة ترشيد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والتأكيد على أهمية استخدامها بطريقة صحية. يتم ذلك بترسيخ فكرة أن العالم الافتراضي ليس مكاناً مناسباً لتفريغ الرغبات أو البحث عن مشاعر الحب الحقيقية؛ إنه عالم لا يقدم إلا الوهم. الأسرة هي الكيان الحقيقي المؤكد على أرض الواقع، وكل ما يبحث عنه الأفراد يوجد داخل هذا الكيان وليس في غرف الدردشة الخاصة.
الخلاصة: على غرار المجتمع الأمريكي، يسير المجتمع الشرقي على النهج ذاته، ووصل إلى نقطة تحول نحو التغيير والتطور لن يعود بعدها كما كان قبل عصر وسائل التواصل الاجتماعي؛ إنها نقطة اللاعودة. يمكن الحد من سلبيات هذا التغيير عبر اتباع أساليب مختلفة، مثل توعية الجماهير بضرورة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بطريقة صحيحة، وذلك بتطبيق حوار إعلامي وديني يهدف إلى الإصلاح الاجتماعي الصادق.






