أحدث تقنيات استخدام المواد المشعّة في البطاريات

البطاريات وحلم الخلود

في عصر تتسارع فيه وتيرة الابتكار، وتُطرَح فيه تساؤلاتٌ مصيرية حول تخزين الطاقة واستدامتها، تلوح في الأفق آفاقٌ جديدة مليئة بالرهان: بطاريات تعمل بالمواد المشعّة. هذه التقنية، رغم ما تحمله من تحدّيات، تفتح مسارات غير مألوفة في تخزين الطاقة وسَيَطرة النفايات النووية. في هذا المقال، نستعرض أبرز ما توصّلت إليه الأبحاث الحديثة، ونحلّل إمكاناتها ومحدودياتها، وكل ذلك بلغة تجذب الفكر وتوقظ الفضول.

ما المقصود ببطاريات المواد المشعّة؟

البطاريات التقليدية التي نعرفها – مثل بطاريات الليثيوم‑أيون – تخزّن الطاقة من خلال تفاعلات كيميائية بين قطبين وإلكتروليت. أما البطاريات التي تستعمل المواد المشعّة، فتستفيد من الإشعاع الصادر عن تحلّل نظائر مشعّة لتوليد كهرباء، بآليات مختلفة:

  • البطاريات «البيتا‑فولتيكية» (betavoltaic) التي تستفيد من جسيمات بيتا (إلكترونات) الناتجة من تحلّل نظير مشعّ، ثم تحويلها إلى تيار كهربائي. (ويكيبيديا)
  • بطاريات تعتمد على انبعاث غاما (gammavoltaic) حيث يُستخدم الإشعاع الخارجي (من نفايات نووية أو مصدر مشعّ خارج البطارية) يُحوّل إلى ضوء ثم إلى كهرباء. (ans.org)
  • بطاريات تُدمج مواد مشعّة داخل هيكل صلب يُحوّل الإشعاع إلى طاقة كهربائية عبر أشباه موصلات أو ألماسات صناعية، مثل تقنية «الماسة المشعّة». (bristol.ac.uk)

أبرز التقنيات والابتكارات الحديثة

1) بطارية «الماسة» المشعّة (Carbon‑14 في ألماس)

  • في جامعة University of Bristol بالتعاون مع UK Atomic Energy Authority، تمّ إنتاج ما يُعرَف بـ «بطارية الماس المشعّة» التي تستعمل نظير الكربون‑14 (Carbon‑14) المحبوس داخل طبقات ألماس صناعي. (bristol.ac.uk)
  • الميزة الأبرز: عمر تشغيل نظري يمتد لآلاف السنين، نظراً لنصف عمر الكربون‑14 والذي يقارب 5,700 سنة. (bristol.ac.uk)
  • إمكانية تحويل نفايات نووية (رسوبيات الغرافايت المُشعّ في المفاعلات) إلى مصدر طاقة منخفضة الاستطاعة لكن طويلة الأمد. (bristol.ac.uk)
  • ملاحظة: القدرة حالياً منخفضة (ميكرو‑واط أو أقل) مقارنة ببطاريات الليثيوم‑أيون.

2) بطاريات تستفيد من الإشعاع المحيط/النفايات النووية

  • في Ohio State University (OSU) تم تصميم بطارية تجريبية تُحوّل إشعاع غاما الناتج من نظائر مثل السيزيوم‑137 (Cs‑137) والكوبالت‑60 (Co‑60) إلى كهرباء، عبر استخدام مواد «مضيئة» (scintillators) ثم خلية ضوئية. (ans.org)
  • النتيجة: البطارية حجمها تقريباً 4 سنتيمترات مكعبة، وقد أنتجت نحو 288 نانِو واط باستخدام Cs‑137، و1.5 ميكروواط باستخدام Co‑60. (ScienceDaily)
  • الهدف طويل المدى: تطوير مثل هذه الأنظمة لتعمل عند مستوى الواط/الساعات (Watts) من القدرة وتشغيل أجهزة استشعار أو بيئات نائية. (ans.org)

3) بطارية قائمة على اليورانيوم المخصَّب أو «اليورانيوم المستنفد»

  • في اليابان، أعلنت Japan Atomic Energy Agency اختراع نموذج أولي لبطارية قابلة لإعادة الشحن تعتمد على اليورانيوم المُستنفد، أو ما يُعرَف بـ «depleted uranium». (ScienceJapan)
  • مواصفاتها: خلية كهربائية جهدها تقريباً 1.3 فولت (قريبة من جهد البطارية القلوية القياسية 1.5 فولت) في النموذج المبدئي، وتمت تجارب شحن/تفريغ 10 مرات دون تغيير كبير في الأداء. (ScienceJapan)
  • الأهمية: تحول نفايات اليورانيوم إلى مورد للطاقة، وتُعدّ من وسائل ربط تخزين الطاقة المتجددة والنفايات النووية بطريقة مبتكرة. (sustainability-times.com)

إمكانات وفوائد التكنولوجيا

  • عمر خدمة طويل جداً: بعض هذه البطاريات يمكن أن تعمل لعقود أو حتى لآلاف السنين (في حالة البطارية الماس‑الكربون‑14).
  • استغلال النفايات النووية: إعادة تدوير نظائر مشعّة كانت تُعدّ عبئاً بيئياً إلى مصدر للطاقة، مما يقلّل المخزون المتراكم من النفايات. مثلاً في تقنية الماس‑الكربون‑14. (bristol.ac.uk)
  • ملائمة لتطبيقات متخصصة: مثل الأجهزة المُضمّنة (med‑tech) كطُرُق زرع القلب، أو أجهزة استشعار في بيئات بعيدة أو قاسية، أو حتى في الفضاء.
  • تخزين الطاقة المتجددة: بعض النماذج مثل بطارية اليورانيوم اليابانية قد تُستخدم لتخزين فائض الكهرباء من المصادر المتجددة إلى جانب دوره في النفايات النووية. (ScienceJapan)

التحديات والقيود

  • قوة خرج منخفضة حالياً: بالرغم من العمر الطويل، لكن قدرة الخرج الكهربائي لبعض هذه البطاريات أقل بكثير من البطاريات التقليدية أو المطلوبة للأجهزة الكبيرة. مثلاً: 1.5 ميكروواط في نموذج OSU. (ScienceDaily)
  • السلامة والإشعاع: التعامل مع المواد المشعّة يثير مخاوف تتعلق بالحماية، الإشعاع، وإمكانية سوء الاستخدام أو الحوادث. على سبيل المثال، في تقنية الماس‑الكربون‑14، الإشعاع يُحتوَى داخل الألماس الموصّل. (bristol.ac.uk)
  • التكلفة والتصنيع: إنتاج هذه البطاريات يتطلّب مواد خاصة، تقنيات تصنيع دقيقة، وبنى تحتية للتحكّم بالإشعاع، ما يعني تكلفة عالية حالياً وصعوبة في التصنيع على نطاق واسع.
  • التطبيق التجاري: معظم النماذج التجريبية أو مبكرة في مراحِل البحث، ولم تدخل بعد مرحلة الإنتاج التجاري الواسع أو المنافسة مع بطاريات الليثيوم‑أيون في التطبيقات اليومية.
  • التنظيم والموافقة: المواد المشعّة تخضع لقوانين دولية صارمة، وعلى سبيل المثال استخدامها في أجهزة الاستهلاك العام أو الأجهزة الطبية يتطلّب موافقات أمنية وتنظيمية عالية.

المستقبل المحتمل والسيناريوهات المتوقّعة

  • في المدى القصير (1‑5 سنوات): نتوقع دخول بطاريات مشعّة منخفضة المنحى (low‑power) إلى السوق، مخصّصة لتطبيقات متخصصة مثل أجهزة الاستشعار، الأقمار الصناعية، المراقبة البيئية، الأجهزة الطبية المزروعة.
  • في المدى المتوسط (5‑10 سنوات): قد تشهد تقنية مثل البطارية المستندة إلى اليورانيوم أو تقنية البطارية الماس‑الكربون‑14 تطويراً للأداء (زيادة القدرة، تحسين الكفاءة)، وربما تدمج في تخزين الطاقة للأنظمة الصناعية أو الطاقة المتجدّدة.
  • في المدى الطويل (أكثر من 10 سنوات): إذا تجاوزت التحديات التقنية والاقتصادية، فقد نرى انتشاراً أوسع لتلك التقنية في أجهزة الاستهلاك أو حتى السيارات—لكن هذا السيناريو يتطلّب قفزات كبيرة في الكفاءة وتخفيض التكاليف.

خاتمة

تتشكّل بين يَديْنا اليوم بذورٌ لتكنولوجيا تبدو من نسخ الخيال العلمي: بطاريات تعمل بمادة مشعّة، تتحلّل ببطء لتعطينا طاقةً بلا شحنٍ يومي، بلا استبدال مستمر، وتخدمنا لعقود وربّما لقرون. لكنها ليست (بعد) بديلاً مباشراً لبطارية السيارة أو الهاتف الذكي. إنّما هي خطوة نحو البتّ في إمكانية تحويل عنصر ذو عبء تاريخي – النفاية النووية – إلى مورد للطاقة. إن صحّت التوقعات، فقد نشهد عقوداً قادمة تغيّراً في مفهوم “البطارية” ذاته: من شيء يُستبدل كلّ سنوات، إلى شيء يُحيى لعقود أو أكثر، في ظلالٍ من الحذر والسلامة.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى