نادية هارون تكتب:الوطن والمواطن .. لا عزاء لمن مات

كل هذا العبث المتراكم في كل زاوية من زوايا الدولة لم يترك لي مجالاً للصمت، فحين تتحول المؤسسات إلى مسارح للتجريب، والمناصب إلى جوائز ترضية، والاختيارات إلى نكتة غير مضحكة، يصبح الكلام ضرورة للمحافظة على ما تبقّى لدينا من عقل، فما نراه لم يعد مجرد خلل إداري هنا أو تجاوز بسيط هناك، بل شبكة واسعة تغزل خيوطها على كل مؤسسات الدولة، وكأنها تعمل بكفاءة لإبعاد الكفاءه لإضعاف الدولة من الداخل.
فالتعيينات التي تُمنح بلا معيار، والوجوه التي تهبط على مواقع لا تنتمي إليها، والترقيات التي تُصنع خارج قواعد الكفاءة، كل هذا يجعل المشهد أقرب إلى تنظيم يعمل ضد الوطن لا لأجله، ومع الوقت، صار واضحاً أن بعض المناصب لا تأتي تكليفاً، بل كمكافأة على خدمات خاصة، أو كرشوة سياسية تُسكت صوتاً كان يمكن أن يزعج البعض يوماً، هكذا يتحول الموقع العام إلى أداة احتواء، لا إلى منصة عمل.
ومع فتح هذا الباب، اندفعت موجات من الرشاوى والمجاملات والمحسوبيات وصار الوصول إلى المنصب أو السلطة صفقة وليس استحقاق، البعض يُساوم، البعض يدفع، البعض يتسلّق، والبعض يصل بلا أي مؤهل سوى أنه قدم خدمات جليلة لجهة الترشيح التي ربما تصنع له مسمىً وظيفياً، وبينما الحال هكذا، يقف القانون على الهامش، مُتفرج بلا حول ولا قوة.
ومع هذا التراكم، تترهل الدولة بكراسٍ يشغلها أصحاب الولاءات لا أصحاب الخبرة والكفاءات، مدير لا يعرف معنى الإدارة، ومسؤول يجهل أبسط تفاصيل الملفات التي يتولاها، وقيادات لا تجيد شيئاً سوى الحفاظ على وجودها، أو على وجود من أوجدها، فلا عجب أن نرى إعلاماً هزيلاً فقد دوره، ودراما تهدم القيم وتعبث بالأعراف وتنتزع الوازع الديني من الصدور، ومجتمعاً ينحرف يوماً بعد يوم حتى لم يَسلم منه لا طفلٌ صغير ولا شيخٌ كبير.
ثم جاءت الغرفتان التشريعيتان—البرلمان ومجلس الشيوخ—كأنهما القشة التي كان الناس ينتظرون أن تتعلق بها الدولة فلا تغرق، فإذا بهما تتحولان إلى كتلة إضافية فوق صدر وطن يئِن، فالأعضاء بين راشٍ يعرف طريقه جيدا، وجاهل لا يعرف من التشريع إلا التصفيق، فكيف ننتظر منهم قوانين توقف الفساد أو تحمي المواطن؟ كيف تُصلح يدٌ شاركت في الهدم؟ وكيف يصدر عن قبة واحدة تشريع، بينما نصف من تحتها إما لا يفقه ما يفعل أو باحث عن مصلحة خاصة، والنصف الآخر يجيد فقط تمرير ما يُملى عليه؟.
غرفتان يفترض أنهما خط الدفاع الأول عن الوطن، لكن وبعد ما شاهدنا وتابعنا كل هذا الخلل، تضاءل الأمل، لا لأن المواطنين فقدوا الصبر، بل لأن الدولة تُدار بمنطق يجعل الفساد جزءا طبيعيا في عجلة الدولة، ما بين الرشوة، والمحسوبية، والاختيار الفاسد، ودفن الكفاءات، تتساقط القيم التي تقوم عليها أي دولة محترمة.
في النهاية أقول: ماذا ننتظر أن يخرج من هذه القباب إلا ما يريح الفاسدين ويثقل كاهل الناس، غرفتان ترتفعان على أكتاف وطن ينخفض ومواطن يحتضر، وكيف لا ينخفض الوطن وقد ثُبِّت فوق قلبه هذا الحمل الثقيل؟ وكيف لا يحتضر المواطن وقد مات لديه الأمل؟! ولا عزاء لمن مات.



