أخر الأخبار

العدل والسلام أم هيرمجدون بين الغيب والسياسة كتب الأديب أحمد أمين عثمان 

العدل والسلام أم هيرمجدون بين الغيب والسياسة

 

كتب الأديب أحمد أمين عثمان

من ينتصر في حرب آخر الزمان ..

منذ فجر الوعي الإنساني والإنسان مشغول بسؤال النهاية كما أنشغل بسؤال البداية.

 

كيف ينتهي هذا العالم ومن ينتصر في المعركة الأخيرة ومن يكون معه نصر الله في قلب هذا القلق الوجودي ظهرت نبوءات آخر الزمان وتقدمت حرب هيرمجدون بوصفها الحدث الفاصل الذي يعاد فيه رسم مصير البشرية.

لم تكن هذه الفكرة حكرا على دين أو ثقافة

بل تكررت بصور مختلفة في التراث اليهودي والمسيحي والإسلامي وفي كتب الملاحم والجفر والرؤى الفلسفية التي حاولت قراءة حركة التاريخ من زاوية الغيب.

 

هيرمجدون في أصلها لفظ توراتي يشير الى سهل مجدو شمال فلسطين حيث دارت معارك حاسمة في التاريخ القديم غير أن اللفظ تحول من مكان إلى رمز لمعركة كونية نهائية يبلغ فيها الصراع بين الحق والباطل ذروته. في سفر الرؤيا وسفر أشعياء ترسم صورة عالم يفيض بالفساد والقوة معا حيث تتجمع قوى الشر في مواجهة ما تراه قوى الخير معركة لا تسبقها ألا فوضى عارمة وأضطراب شامل.

 

هذا التصور يجد صداه أيضا في التراث الإسلامي وأن أختلفت المسميات ففي أحاديث الفتن والملاحم الكبرى أشارات إلى صراعات كبرى في أرض الشام وفلسطين وظهور الدجال ونزول عيسى عليه السلام في لحظة فاصلة ينكشف فيها الزيف وينتصر الحق.

أما في كتب الجفر المنسوبة للإمام علي رضي الله عنه فترد إشارات رمزية إلى فتن تختلط فيها الرايات ويعلو فيها صوت الباطل حتى يظنه الناس حقا.

 

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بقوة هل نحن نعيش مقدمات حرب أخر الزمان أم أننا نعيد قراءة النصوص القديمة بعين القلق المعاصر

الإجابة لا يمكن أن تكون يقينية لكنها تستحق التأمل.

فمن أبرز معطيات الواقع الحديث جمع اليهود من شتات بقاع الأرض في فلسطين.

 

حدث غير مسبوق في التاريخ بهذا الحجم والدعم الدولي ملايين عادوا من لغات وثقافات مختلفة ليصهروا في كيان واحد تحت مسمى حلم أرض الميعاد. هذا الحدث يراه كثيرون تحققا حرفيا لنبوءات توراتية طال إنتظارها.

 

ثم يأتي الحلم الأكبر الذي تروجه بعض التيارات الصهيونية والمستند إلى قراءات دينية وسياسية معا وهو حلم التوسع من الفرات ألى النيل كما ورد في نصوص منسوبة لسفر أشعياء. الذي جهر بها رئيس وزرائهم هذا الحلم لم يعد مجرد خيال ديني بل تسلل إلى أدبيات سياسية ترى في الفوضى الإقليمية وإعادة رسم الخرائط فرصة لتحقيقه.

 

ما يشهده الشرق الأوسط من حروب وإنقسامات وتفكيك دول وإضعاف جيوش لا يمكن فصله عن هذا السياق العام.

 

غير أن جوهر نبوءات أخر الزمان لا يقف عند سؤال المكان والحدود بل يتجاوزها إلى السؤال الأهم من سينتصر في النهاية ومن يكون معه نصر الله جميع النبوءات تقريبا تتفق على حقيقة واحدة وهي أن الباطل قد يبلغ ذروة قوته قبل سقوطه. الباطل لا يظهر ضعيفا بل منظما مسيطرا يمتلك المال والسلاح والإعلام ويجيد تزييف الوعي حتى يلتبس الحق على الناس. هذه سنة تاريخية وليست استثناء.

 

في العقيدة الإسلامية تحسم المعادلة بوضوح

أن نصر الله لا يكون مع الكثرة ولا مع التفوق المادي وحده بل مع الحق والعدل.

 

يقول الله تعالى إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم فالنصر هنا مشروط بالوقوف مع الحق لا بإدعائه وبمواجهة الظلم لا بتبريره. الدجال في آخر الزمان ليس مجرد شخص بل رمز لمنظومة تضليل كبرى تقلب القيم وتجعل الباطل حقا والحق باطلا.

 

من يتبعه لا يفعل ذلك دوما عن شر خالص بل عن خوف وطمع وضياع بوصلة.

 

في المقابل يقدم معسكر الحق في نبوءات آخر الزمان بوصفه قلة مستضعفة محاصرة لكنها ثابتة لا تملك ضجيج الإعلام ولا جبروت السلاح لكنها تملك الإيمان والبصيرة ولهذا جاء الوعد الإلهي حاسما بأن العاقبة للمتقين لا للطغاة مهما طال الزمن.

 

نزول عيسى عليه السلام يمثل ذروة هذا الحسم فهو إعلان لإنتصار الحقيقة الإلهية على أعظم عملية تزوير عرفتها البشرية يكسر الصليب ويقتل الدجال ليس فقط بقوة السلاح بل بفضح الكذبة الكبرى التي بني عليها سلطان الشيطان ومملكه الباطل هنا يتجلى المعنى العميق لنصر الله أنه نصر القيم قبل الأرض ونصر الحقيقة قبل الحدود.

 

أما من يظن أن السيطرة السياسية أو التوسع الجغرافي دليل رضا إلهي فانه يكرر خطأ الأمم التي سبقت فحسبت الملك أصطفاء فلتتذكروا نمرود وفرعون النصوص نفسها التي يستشهد بها تحذر من يوم الحساب ومن أن الظلم مهما تستر بالدين ينقلب على صاحبه.

 

إن حرب آخر الزمان سواء سميت هيرمجدون أو الملاحم الكبرى ليست موعدا زمنيا نترقبه بقدر ما هي أختبار أخلاقي وإنساني.

 

الباطل قد ينتصر مرحليا وقد يبدو أنه يمسك بمفاتيح العالم لكن هذا الإنتصار زائف ومؤقت

 

أما نصر الله الحق فحتمي لكنه مشروط بالثبات وعدم الإنخداع وبالوقوف في صف الحق والإنسانية لا في صف الشيطان مهما تلونت راياته.

 

ويبقى السؤال الأهم و الأخير الذي تطرحه نبوءات آخر الزمان على كل إنسان حين تختلط الرايات ويصبح الباطل مقنعا بالحق والحق محاصرا بالصمت في آي صف ستكون.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى