نادية هارون تكتب:بين الخراب والحيرة… فقدتُ البوصلة

بدأت أتابع الأحداث كمن يطارد دخانا يتصاعد من كل الجهات، ما إن أفرغ من مأساة هنا، حتى تفاجئني أخرى هناك، اليمن، السودان، غزة، ليبيا، الصومال، فنزويلا، إيران… الخرائط تتغير نيرانها، ولا يتغير وجعها، ومع هذا التزاحم، لم أفقد القدرة على المتابعة فقط، بل فقدت البوصلة ذاتها، عن أي قضية أكتب؟ أي دم أصف؟ أي صرخة أسجل؟
تساءلت طويلا، هل أختار دولة بعينها، أم أتنقل بين الأخبار فأتحول إلى ناقلة أحداث بلا معنى؟ حين أدركت أن الانشغال بتفاصيل كل صراع يُبعدنا عن الفهم الحقيقي، بدأت أبحث عن ما يجمع هذه الحرائق، عن الأسباب التي تجعلها تتكرر دائما بنفس الطريقة، بدل أن أركز على كل حادثة على حدة.
وجدتُ أن الخراب لا يبدأ من الخارج فقط، بل من الداخل حين تضعف الدولة، وتنهار مؤسساتها، ويُظلم المواطن، الخارج يستغل هذا الضعف ببراعة، لكن المسؤولية الحقيقية على الداخل، فالدول تنهار حين يُختزل الوطن في شخص أو جماعة أو فكرة، ويصبح الإختلاف خيانة، والسياسة ساحة صراع وجودي، ويضيع الإنسان العادي.
الأخطر أن الدين يُستدعى كسلاح، ليصبح الدم وسيلة لإقناع الناس بشرعية زائفة، والعنف يُبرَر باسم الطاعة أو المقاومة، بينما الشعوب هنا دائما الحاضر الغائب، تُستدعى للتضحية، لا للمشاركة، ويُطلب منها الصبر لا القرار، وتُدفع إلى الصفوف الأمامية ثم تُترك وحيدة أمام الخراب، ويزداد الألم في ضمائر حائرة، بلا من يسمع، وإمتيازات مجانية للنُخَب، تلك النُخَب التي تحمي الأنظمة لا الشعب.
هذه المشاكل لا تخص دولة بعينها، لكنها منتشرة في كثير من الدول العربية، حيث الحدود رسمت قبل بناء مؤسسات الدولة، والاقتصاد يعتمد على توزيع الامتيازات بدل أن يبني حياة كريمة للمواطن، والسلطة لا تمنح الناس حق المشاركة، كل هذا يجعل الإنفجار أقرب، مهما بدا الاستقرار على السطح هادئا.
أما عن مصر وسط هذه النيران المحيطة، فمصر لم تسقط كما غيرها، لكنها ليست بعيدة عن المخاطر، موقعها الجغرافي جعلها محاطة بالأزمات من كل جانب، وإذا كانت الدول التي ظلت تحافظ نظامها لا على شعبها، سقطت في النهاية، فهنا يجب أن أثمن قرار مبارك بالتنحي، فهو لم يكن مجرد تراجع سياسي، بل محاولة لحماية أوصال الدولة من التفكك، وللحفاظ على الداخل، الذي هو العمود الفقري للبلد، مصر بذلك تجنبت الانزلاق الكامل، لكن التحدي لم ينتهي، فالاستقرار الحقيقي يُقاس بقدرة الدولة على تقوية الداخل وجعل المواطن شريكا، لا مجرد شاهد على الخراب المحيط.
في النهاية أقول: تختلف الرايات، لكن المستفيد واحد، قوى دولية أو إقليمية تدير الصراع عن بُعد، تُبقي النار مشتعلة دون أن تحترق، لذلك فمن الضرورة الكتابة عن النمط لا الحدث، عن المَرَض لا العَرَض، عن كيف تتكرر المأساة بأسماء مختلفة، نسأل السؤال الذي لا يُطرح، لماذا تفشل دولنا في حماية شعوبها؟ ولماذا يُعاد إنتاج الألم بنفس الأدوات؟ فربما لم نعد بحاجة إلى وصف المزيد من الأحداث، بقدر حاجتنا لفهم سببها الحقيقي، من لا يعرف السبب سيظل يشاهد الأعراض فقط، ويظل الألم يتضاعف بلا حل.



