نادية هارون تكتب:لم ينحرف الجيل… بل تعطّلت المصانع

لم يعد الفقر الذي يعيشه الجيل الحالي فقرا إقتصاديا فقط، بل فقرا مركّبا أصاب الأخلاق والعلم والدين والهوية معا، جيل يعمل أكثر ليحصل على أقل، ويعيش تحت ضغط دائم، فتقدمت أولويات البقاء على حساب المضمون، ومع هذا الإرهاق العام، انحرفت البوصلة، وضاعت الهوية بكل صورها.

اقتصاديا، تآكل الاستقرار ونَدُرَت فرص الصعود الاجتماعي، فتحولت الوظيفة من ضمانة إلى قلق، ومن أداة بناء إلى وسيلة نجاة، لم يعد الدخل يكفي لتأسيس أسرة مستقرة أو تعليم الأبناء كما كان، فصار الخوف من الغد ضيفا مُربكا في البيوت، وإنتقل أثره من الجيوب إلى النفوس والعلاقات.

علميا، لم يعد الجهل ناتجا عن غياب المعرفة، بل عن فوضى المعرفة، المعلومة متاحة بلا حدود، لكن بلا منهج ولا هدف، و فقد التعليم دوره في بناء العقل، وتحول إلى شهادة لمتطلبات العمل لا للحياة، فكثر المتعلمون وقلّ الفهم، وغاب التفكير وكثُر الاستهلاك السريع.

أخلاقيا، تراجعت القيم أمام منطق المنفعة، في عالم يمول ويكافئ الجرأة لا النزاهة، ويصنع قدوات من الفراغ، تصبح الأخلاق عبئا لا فضيلة، ومع غياب العدالة، لم يعد الخلل في السلوك فقط، بل في الإيمان بجدوى القيم نفسها.

دينيا، لم يضعف الإيمان بقدر ما اختُزل، صار الدين مظهرا أو شعارا أو أداة صراع، لا منظومة قيم تهذّب السلوك وتُقيم مجتمعات متوازنة، فانتشر التدين الشكلي، وغاب الجوهر الذي كان يصنع إنسانا مستقيما قبل أن يصنع صورة ملتزمة.

أما الأسرة، فلم تنهَر فجأة، بل تآكلت ببطء، الأب أُنهك اقتصاديا فغاب رمزيا، أو أصبح حضوره بلا سلطة، فسقطت المرجعية التي كانت تُهاب لثباتها وعدلها، والأم، التي كانت متفرغة للتربية، صارت ممزقة بين العمل والبيت، وتُرك الأبناء للشاشات، فضعفت المودة، وتحول الإخوة في كثير من الأحيان من سند إلى منافسين.

وهنا يبرز السؤال الحقيقي: لماذا نُحمِّل الجيل وحده المسؤولية؟ والسؤال ماذا حلّ بهذا الجيل؟ ليس هو جوهر الأزمة، بل السؤال الأوقع هو ماذا حلّ بجيل الآباء والأمهات؟ هؤلاء كانوا المصانع التي أنتجت هذا الجيل، وحين إختلت المصانع، خرج المنتج مشوّها، لا لأن المادة الخام فاسدة، بل لأن خطوط الإنتاج تعطّلت تحت ضغط القهر والتناقض.

انحراف الجيل الحالي عن مساره الطبيعي لم يكن تمرّدا عن وعي، بل نتيجة مباشرة لخلل سابق، جيل من الآباء كُسر اقتصاديا، فإهتزت قيمه، وطُلب منه أن يربي في ظروف لا تساعد على التربية، فضعفت القدوة، وسقطت المرجعية، وتاه الاتجاه.

وكان ضمور الطبقة الوسطى العامل الأخطر في هذا كله، فهي كانت حاملة القيم والاعتدال والتعليم والانضباط، ومع تآكلها، إنقسم المجتمع إلى قلة تملك بلا مسؤولية أو هدف، وكثرة تعيش بلا أفق أو عدالة، فسقط التوازن الذي كانت الأسرة تستند إليه.

في النهاية أقول: أن ما نراه اليوم ليس فساد جيل، بل خراب منظومة، الجيل مرآة تعكس صورة من سبقه، لا إستثناء عنه، وإذا أردنا إعادة البوصلة، فلا بد من إعادة هيكلة المصانع، الأسرة، والتعليم، والخطاب الديني، والعدالة الاجتماعية، فإدانة الجيل أسهل، لكنها لن تعيد هوية ضاعت، ولا إتجاها إنكسر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى