يحيى الفخراني، الملك لير

بقلم / طارق غريب
يا له من أسم يحمل في طياته ثقل الزمن ووهج الخشبة ، كأنه صوت يتردد في أروقة المسرح ، يجمع بين صخب العواصف الشكسبيرية والسكينة المصرية العميقة.
” الملك لير” ليست مجرد مسرحية يقدمها ، بل صارت
جزءاً من جلده ، من صوته ، من تلك النظرة التي تُخفي في عمقها عواصف الندم والغضب والضياع. إنها ليست عرضاً فنياً فحسب ، بل رحلة فلسفية في أعماق الإنسانية، حيث يتصارع الملك مع نفسه ، مع بناته و مع العالم ، في محاولة لفهم ما يعنيه أن تكون إنساناً في عالم ينهار تحت وطأة الغرور والخيانة.
أوّل مرة عام 2001 ، على المسرح القومي ، بإخراج أحمد عبد الحليم الراحل ، كان الفخراني يقترب من الستين ، يحمل لير بقوة الرجل الذي لا يزال يعتقد أن العرش يُحمى بالكلمات. كانت تلك النسخة الأولى تجسيداً، للصراع الداخلي ، حيث يقسم الملك مملكته بين بناته الثلاث ، غونيريل وريغان وكورديليا ، بناءً على إعلانات
الحب الزائفة. لم تكن مجرد ترجمة لشكسبير ، بل إعادة صياغة عربية ، مع سوسن بدر في دور غونيريل ، وفاروق الفيشاوي في دور إيرل غلوستر ، وآخرين يضفون على النص لمسة مصرية تجعل التراجيديا أقرب إلى الروح العربية.
كان الفخراني حينها، يُجسد لير الشاب نسبياً ، الذي يبدأ قوياً ، يثق بسلطته ، لكنّه سرعان ما يواجه الانهيار ، في مشهد يذكرنا بفلسفة شكسبير العميقة : كيف أن السلطة تُعمي ، وكيف أن الحب الحقيقي ، كما
في كورديليا ، يُرفض لأنه لا ينافق. ثم عاد 2019 ، نسخة أخرى ، إنتاج خاص ، مع تامر كرم في الإخراج ، وكأنّه يُعيد قراءة النص بعينين عرفتا المزيد من الخيبات. هنا ، أصبح لير أكثر نضجاً ، أقرب إلى الجنون الذي يُفكك الذات ، مع إضافة عناصر حديثة تجعل المسرحية تتجاوز الزمن ، تتحدث عن اليوم كما عن الأمس.

والآن ، في عامه الثمانين ، 2025 ، يعود ثالثة ، على نفس الخشبة تقريباً ، إخراج شادي سرور هذه المرة ، إنتاج المسرح القومي بأضخم ميزانية في
تاريخه. بدأ العرض في يوليو ، واستمر يجمع الجماهير حتى بلغ مئة ليلة عرض في يناير 2026 ، وامتد إلى تونس ليفتتح ” أيام قرطاج المسرحية” في نوفمبر 2025 ، حيث احتفل المهرجان بتكريمه ، وشهد إقبالاً
جماهيرياً غير مسبوق ، مع نفاذ التذاكر قبل أيام. في هذه النسخة ، يشارك نخبة من الفنانين مثل محمد عزايزي ، وريهام عبد الغفور ، وغيرهم ، يضفون على العمل طبقات إضافية من العمق. الديكور يجسد العاصفة الداخلية ، مع إضاءة تُبرز الظلال كرمز للخيانة ،
والموسيقى التي تتردد كصدى للندم. ما الذي يجعل رجلاً في الثمانين يُعيد ارتداء عباءة لير مراراً؟ ليس الحنين إلى
الدور فحسب ، بل لأن النص يتغير معه. كلما تقدم العمر ، صار لير أقرب إليه ، أو هو صار أقرب إلى لير. الوهن الجسدي الذي بدا في بعض المشاهد الأخيرة لم يُضعف الأداء ، بل أضفى
عليه صدقاً مريراً. الملك الذي يخرج إلى العاصفة لم يعد يمثلها فقط ، بل يعيشها. الجنون لم يعد تمثيلاً ، بل لحظات يتسرب فيها الواقع إلى الشخصية ، والشخصية إلى الواقع.
في كل مرة يقول الفخراني : “أكتشف شيئاً جديداً في النص”. ونحن نكتشف فيه شيئاً جديداً عن أنفسنا : كيف يُصبح الإنسان ، حين يبلغ من العمر مبلغاً ، قادراً على أن يُجسد الانهيار بلا تكلف ، بل بصدق يُدمي. لكن دعونا
نتعمق أكثر في فلسفة هذا النص الشكسبيري ، الذي يُعد واحداً من أعمق التراجيديات في تاريخ الأدب. ” الملك لير” ليست مجرد قصة عن ملك يُخدع ببناته ، بل تأمل في طبيعة الإنسانية ذاتها. شكسبير يسأل : ما هي السلطة إلا وهماً ينهار أمام الزمن؟ وما الحب إلا اختبار للصدق في عالم مليء
بالنفاق؟ في قراءة هيجلية ، يُرى الصراع كتصادم بين الحب والسلطة ، حيث يفقد لير كل شيء ليصل إلى الوعي الحقيقي ، لكن بعد فوات الأوان. الجنون هنا ليس مرضاً ، بل حالة فلسفية ، تبادل أدوار مع المهرج
الذي يُصبح الحكيم ، بينما يُصبح الملك مهرجاً في عين نفسه. إنها مأساة اللامعنى ، حيث يواجه الإنسان حدود التحمل أمام الموت والخيانة ، كما يقول جورج أورويل في تحليله لشكسبير : إن ” لير تعبير عن كل جوانب التجربة الإنسانية ، عمقها وألمها “.
في تجسيد الفخراني ، يتجاوز هذا العمق النظري إلى الواقعي. وفي العروض الأخيرة ، مع احتفال المسرح القومي بمئة ليلة ، يُكرّم الفخراني ليس كممثل فحسب ، بل كرمز للمسرح
العربي الذي يُعيد شكسبير إلى جذوره الإنسانية. الجمهور في تونس، كما في القاهرة ، يصف العرض بأنّه “استثنائي” ، ” يُشعل الخشبة ” ، ” تكريم للفن الحقيقي”. إنه ليس عرضاً ، بل شهادة على أنّ المسرح يُعيد تشكيل الروح.
” الملك لير ” مع يحيى الفخراني ليست مجرد ترجمة لشكسبير ، بل صارت شهادة حياة : على السلطة التي تُعمي ، على الحب الذي يُخفى خلف الكبرياء ، على الندم الذي يأتي متأخراً ، وعلى المسرح الذي ، رغم كل شيء ، لا يزال قادراً على أن يُعيدنا إلى أنفسنا.
فإن مررت بالقومي يوماً ، ووجدت الباب مفتوحاً على مصراعيه لتلك العاصفة ، ادخل. ربما تجد لير ، أو تجد نفسك ، أو تكتشف أن الزمن نفسه
يُعيد كتابة قصتنا في كل عرض جديد. إنها ليست نهاية ، بل بداية لتأمل أعمق في ما يعنيه أن نكون بشراً في عالم ينهار ويُعاد بناؤه على خشبة المسرح
طارق غريب – مصر






